شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٥٦
و الغلبة للمجاهدين و إن لم يكن كذلك و كان بالعكس كان فيه نقصان عبيد الله الذاكرين له، و تفويت العلة الغائية فذكر الله تعالى مع الأمن من المحذور و هو الفتنة و قتل أولياء الله أفضل من الجهاد الظاهر، و إن كان المقتول في سبيل الله على أجر تام، فذلك حظه بهدم أبنية الرحمن في صورة الإنسان (و ذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر الله الذكر المطلوب منه، فإنه تعالى جليس من ذكره الجليس مشهود الذاكر، و متى لم يشاهد الذاكر الحق الذي هو جليسه فليس بذاكر، فإن ذكر الله سار في جميع أجزاء العبد لا من ذكره بلسانه خاصة، فإن الحق لا يكون في ذلك الوقت إلا جليس اللسان خاصة، فيراه اللسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو راء و هو البصر) الذكر المطلوب من العبد هو أن يذكر الله بلسانه مع نفى الخواطر، و حديث النفس و مراقبة الحق بالقلب بأن يكون بقلبه مع المذكور، و بعقله متعقلا لمعنى الذكر، و بسره فانيا في المذكور عن الذكر، و بروحه مشاهدا له فإنه جليسه مشهود الذاكر، فمتى لم يشاهده فليس بذاكر إياه إذ لو ذكره لرآه، فإن الذاكر بالحقيقة يفنى عن سوى المذكور حتى عن الذكر بالمذكور و عن نفسه، فإن نفسه من جملة السوي فيكون الذاكر هو المذكور فيحييه الله به حياة طيبة نورية بالبقاء بعد الفناء فيه، فيهنأ فيها العيش مع الله باللّه معية لا بالمقارنة فيشهد به في كل ما يشهده، و ذلك معنى سريان ذكر الله في جميع العبد حتى أفناه عنه و أحياه به، و إن لم يكن ذكره إلا بلسانه فالذاكر ذلك الجزء منه الذي هو اللسان فلا يكون الحق إلا جليس اللسان لا جليسه، إذ لم يذكره بجوامع أجزاء وجوده فيراه اللسان و يختص اللسان بحظ الإنسان (فافهم هذا السر في ذكر الغافلين، فالذاكر من الغافل حاضر بلا شك و المذكور جليسه فهو يشاهده، و الغافل من حيث غفلته ليس بذكر فما هو جليس الغافل، فإن الإنسان كثير ما هو أحدى العين و الحق أحدىّ العين كثير بالأسماء الإلهية كما أن الإنسان كثير بالأجزاء، و ما يلزم من ذكر جزء ما ذكر جزء آخر فالحق جليس الجزء الذاكر منه، و الآخر متصف بالغفلة عن الذكر، و لا بد أن يكون في الإنسان جزء يذكر به فيكون الحق جليس ذلك الجزء فيحفظ باقى الأجزاء بالعناية) هذا حال من يذكره ببعض أجزائه و يغفل عنه ببعضها فيكون الحق جليس ذلك الجزء مجالسة تمثيلية فإنه يعتقد كون الحق جليس الذاكر فإذا ذكره بجزء كان ذلك الجزء مختصا بمجالسته دون ما لم يشتغل بذكره من الأجزاء و كذلك شهوده، و قد يختلف الذكر و الشهود بحسب الأجزاء، فإن ذكر القلب و شهوده جليسه بفضل كثير ذكر اللسان و مجالسته، فإذا خشع القلب خشع جميع الجوارح بتبعيته، كما قال
__________________________________________________
(و لا بد في الإنسان جزء يذكر به) إذ لو لم يكن لعدم الإنسان فيحفظ ذلك الجزء بذكر الله و جليسه (فيحفظ باقى الأجزاء) بسبب الجزء الذاكر، و الإنسان ما دام ذاكرا للحق فهو حى محفوظ (بالعناية) الإلهية، فإذا جاء أجله نسى ذكر الله فطرأ عليه الموت. بالى