شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٥٤
(١٨) فص حكمة نفسية في كلمة يونسية
إنما خصت الكلمة اليونسية بالحكمة النفسية، لما نفس الله بنفسه الرحمانى من كربه الذي لحقه من جهة قومه و أولاده و أهله، أو لما دهمه في بطن الحوت، أو من جهة أنه كان من المدحضين، أو من جميع تلك الأمور حيث سبح و اعترف و استغفر- فَنادى في الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من الظَّالِمِينَ- فنفس الله عنه كربه و وهبه سربه و أهله قال تعالى- وَ نَجَّيْناهُ من الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ- و قيل نفسية بسكون الفاء لأنه ظهر بالنفس و فارقهم من غير إذن الله فابتلاه الله بالحوت أي بالتعلق البدني و التدبير الذي يلزم النفس عند استيلاء الطبيعة و خصوصا عليها، و خصوصا عند الاجتنان في بطن الأم، و لهذا وصف بكونه عليما.
(اعلم أن هذه النشأة الإنسانية بكمالها روحا و جسما و نفسا خلقها الله على صورته، فلا يتولى حل نظامها إلا من خلقها إما بيده و ليس إلا ذلك، أو بأمره) بكمالها أو بمجموعها ظاهرا و باطنا كما ذكر في الفص الأول لأن المراد بآدم نوع الإنسان، و لما خلقها بيديه على صورته لم يجز أن يتولى حل نظامها إلا هو، كما قال تعالى- الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها- و ليس ذلك إلا لعدم جواز تخريب البنيان الإلهي إلا بيده على مقتضى حكمته أو بأمره كما في القصاص (و من تولاها بغير امر الله) أي ظلما (فقد ظلم نفسه و تعدى حد الله فيها، و سعى في خراب من أمره الله بعمارته. و اعلم أن الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغير في الله) يعنى أن الإبقاء على النفوس المستحقة للقتل شرعا كالكفار و المشركين و غيرهم أحق بالرعاية لأنها بنيان الرب من القتل غيرة في الله أي في حقه و في دينه من أن يعبد غيره و يعصى مع أن الشرع حرّض على الغزو، فإن استمالة الكفار و المخالفة معهم شفقة على خلق الله بنية حرمة من خلقه الله و رزقه رجاء في أن يدخلوا الإسلام خير من تدميرهم و إهلاكهم، كما فعل عليه الصلاة و السلام بالمؤلفة قلوبهم و غيرهم. و قد يثيب الله على ذلك و لا يؤاخذ على عدم الغيرة، فإن الغيرة لا أصل لها في الحقائق الثبوتية لأنها من الغيرية، و لا غير هناك.
(و أراد داود عليه السلام بنيان بيت المقدس فبناه مرارا فكلما فرغ منه تهدم، فشكا ذلك إلى الله، فأوحى الله إليه «إن بيتى هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء،
__________________________________________________
فأشفق الحق على عباده الذين وجب عليهم القتل، فكيف على عباده الذين لم يجب عليهم القتل، فأما لسان الذم على جهة الشرع فممدوح عند الله، و المذموم على جهة الفرض مذموم عند الله، بل هو مذموم عند صاحب الفرض لعدم موافقته لغرضه. بالى.