شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٥٣
بمقتضاه حتى يصير في حقه مسمى جهنم جنة، و حال البعض الخلاف من الغضب، و حال البعض وجدان أثر الرضا و روح الجنة، و حال البعض البلوغ إلى الدرجات، و في الجملة لا يخلو أحد في العاقبة من سعادتهما و إن كانت نسبية:
(فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و إن لم يكن فهم فيأخذوه عنا
فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن بالحال فيه كما كنا
فمنه إلينا ما تلونا عليكم و منا إليكم ما وهبناكم منا)
أي فمن الحق ورد إلينا ما قلنا لكم و تلونا عليكم، و ليس بوارد منه إليكم ما وهبنا لكم:
أي ما وهبنا لكم فمنا ورد إليكم، و يجوز أن يكون المعنى منا ورد إليكم ما وهبنا لكم بل منه بواسطتنا، و كلا المعنيين يستقيم، و تعدية وهبنا بنفسه كقوله- وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ- في حذف الجار و إيصال الفعل إلى مفعوله (و أما تليين الحديد فقلوب قاسية يلينها الزجر و الوعيد تليين النار الحديد، و إنما الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة، فإن الحجارة تكسرها و تكلسها النار و لا تلينها) يعنى أن الحجارة ليس لها قبول التليين، فإن النار تكسرها أو تكلسها، فالقلوب التي تشبهها لا يؤثر فيها الزجر و الوعيد (و ما ألان الحديد له إلا لعمل الدروع الواقية تنبيها من الله أن لا يتقى الشيء إلا بنفسه، فإن الدروع يتقى بها السنان و السيف و السكين و النصل فاتقيت الحديد بالحديد، فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك فافهم، هذا روح تليين الحديد فهو المنتقم الرحيم، و الله الموفق) أي إنما ألان لداود الحديد لعمل الدروع الواقية من الحديد تنبيها له على أنه لا يتقى الله إلا به، كما قال عليه الصلاة و السلام «أعوذ بعفوك من عقابك، و أعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ بك منك» فصورة تليين الحديد على يديه صورة ما أعطاه الله تعالى من قوة تليينه للقلوب السامعة لكلامه و مزاميره القابلة لمعانيها كما أن تسبيح الجبال و الطير و ترجيعها إياه معه صورة تسبيحه في جوارحه و قواه حتى تشكلت بالهيئة التنزيهية، و انخرطت بالكلية في سلك التقديس و التوحيد، فتليين القلوب روح تليين الحديد، و التوحيد الذاتي في أعوذ بك منك روح اتقاء الحديد بالحديد، فتوحيد القلوب يسبب لها روح الروح، فإنها إذا لانت وسعت الحق فعرفت أن المنتقم هو الرحيم.
__________________________________________________
(فمن كان ذا فهم؟) أي ذا بصيرة و كشف (يشاهد ما قلنا) من غير أخذ من قولنا (و إن لم يكن ذا فهم فيأخذه عنا) أي يدرك هذا المعنى عن قولنا على ما هو الأمر عليه بالعقل السليم و هم المؤمنون بحال أهل الله، و فيه إشارة إلى أن المحبين من أهل الله (فما في) أي فما في هذه المسألة في نفس الأمر (إلا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن بالحال فيه) أي فيما ذكرنا، لا تكن بالقال (كما كنا بالحال فيه، فمنه) أي من الحق أو من الرسول (نزل إلينا ما تلونا) أي الذي تلونا (عليكم و منا نزل إليكم ما) أي ليس (وهبناكم منا) أي من عند أنفسنا. بالى