شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٥١
الله كما زعموا أو إله آخر غيره لكانا إما إلهين بالذات أو بأمر زائد عليهما، فإن كان الثاني الزم افتقارهما في الإلهية إلى الغير فلم يكونا إلهين، و إن كان الأول، فإما أن يتخالفا في الإيجاد و الإعدام أو يتوافقا، فإن تخالفا تخالفا لتساويهما في القوة فلا يقع إيجاد و لا إعدام، و إن توافقا فإما أن ينفذ حكم كل واحد منهما في الآخر فلا يكون أحدهما إلها لنفوذ حكم الآخر فيه، و كذا إن لم ينفذ حكم كل واحد منهما في الآخر لعجز كل منهما، فإن نفذ حكم أحدهما في الآخر دون العكس فالنافذ الحكم هو الإله دون الآخر. و لما كان النافذ الحكم هو الإله دون غيره علمنا أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم الله، و إن خالف الشرع المقرر في الظاهر إذ لا ينفذ إلا حكم الله في نفس الأمر، لأن كل ما وقع في العالم إنما وقع بحكم المشيئة الإلهية لا بحكم الشرع، فإن تقريره إنما هو بالمشيئة، و لذلك نفذ تقريره خاصة لا العمل به إلا ما تتعلق به المشيئة من العمل، و لهذا قال بعد قوله- كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله- (فالمشيئة سلطانها عظيم و لهذا جعلها أبو طالب عرش الذات لأنها لذاتها تقتضي الحكم فلا يقع في الوجود شيء و لا يرتفع عنه خارجا عن المشيئة، فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا بالمسمى معصية فليس إلا الأمر بالواسطة لا الأمر التكويني، فما خالف الله أحد قط في جميع ما يفعله من حيث أمر المشيئة فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة، فافهم) يعنى أن حقيقة المشيئة تقتضي الحكم لذاتها لأنها نفس الاقتضاء و الاقتضاء هو تخصيص ما عينه العلم بالحكم فيقع ما تعلقت المشيئة به، فإن الأمر الإلهي الذي لا راد له و حكم الله الذي لا معقب لحكمه هو الذي تعلقت المشيئة بوقوعه وجودا و عدما، فإن لم تقترن المشيئة بوقوع العمل و اقترن الأمر به لم يقع، و إن اقترنت باقتران الأمر به يقع، لأن المشيئة إنما اقتضت وقوع الأمر بذلك العمل لا وقوعه أي صدور العمل من المأمور المعين، فالمسمى معصية و مخالفة إنما هو باعتبار أمر المكلف و الشارع المتوسط لا باعتبار التكوين الذي هو المشيئة، فلا يخالف الله في أمره الذي لا واسطة فيه فلا رادّ له و لا معقب، فهذا يقتضي الألوهية (و على الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين
__________________________________________________
فالمشيئة إذا تعلقت تقرير الحكم المشروع خاصة نفذ تقرير ذلك الحكم لا العمل به، و إذا تعلقت تقريره مع العمل به نفذ تقرير ذلك الحكم و العمل به فالتكاليف نفذ تقريرها، و أما العمل بها فقد ينقذ لتعلق المشيئة به، و قد لا ينفذ لعدم تعلقها به، فإذن لم يقع الأمر إلا بحسب المشيئة اه بالى.
و لما يشعر كلامه أن للعبد تأثيرا في الجملة في وجود الفعل نفى ذلك بقوله (و على الحقيقة) فكان ذلك المحل شطا لصدور الفعل (فأمر المشيئة) يتعلق بالمشروط بتعلق آخر غير تعلقه بالشرط لا أن المشيئة تتعلق بعين العبد، و العبد يفعل الفعل بلا تعلق المشيئة، فالمشيئة بذلك الفعل بل يشترك في الفعل معنى المشيئة، فالمشيئة تستقل بوجود الفعل في التأثير كما تستقل في وجوه العبد، فالعبد لا تأثير له في فعله كما لا تأثير له في وجود نفسه، و إنما بنى هنا المعنى على الحقيقة لأن بناء الظاهر هو أن العبد يكسب فعله، فاللّه يخلقه فكان للعبد تأثير في فعله بهذا الوجه، و لا تأثير بذلك الوجه، فمراد الله بحسب الوقوع في الخارج تابع لمشيئته، و بحسب الوجود العلمي