شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٤٧
فقال- يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى- أي ما يخطر لك في حكمك من غير وحى منى- فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله- أي عن الطريق الذي أوحى به إلى رسلي، ثم تأدب سبحانه معه فقال- إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ- و لم يقل له: فإن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد. فإن قلت: فآدم قد نص على خلافته، قلنا: ما نص مثل التنصيص على داود، و إنما قال للملائكة- إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً- و لم يقل إنى جاعل آدم خليفة، و لو قال أيضا، لم يكن مثل قوله- إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً- في حق داود، فإن هذا محقق و ذلك ليس كذلك، و ما يدل ذكر آدم في القصة بعد ذلك على أنه عين ذلك الخليفة الذي نص الله عليه، فاجعل بالك لإخبارات الحق عن عباده إذا أخبر، و كذلك في حق إبراهيم الخليل عليه السلام- إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً- و لم يقل خليفة و إن كنا نعلم أن الإمامة هاهنا خلافة، و لكن ما هي مثلها لأنه ما ذكرها بأخص أسمائها و هي الخلافة، ثم في داود عليه السلام من الاختصاص بالخلافة أن جعله خليفة حكم، و ليس ذلك إلا عن الله) أي لا تسند الحكم إلا إلى حضرة الاسم الشامل كلها و هو الله- فإن الحكم للَّه، و الإمامة بالنسبة إلى الخلافة كالولاية بالنسبة إلى النبوة، فكما أن الولى قد لا يكون نبيا كذلك الإمام قد لا يكون خليفة و الخليفة بمعنى من يخلف، فلا يكون خليفة حتى يحكم الله على خلافته، و داود كان كذلك قد أمره الله بالحكم (فقال له- فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ- و خلافة آدم قد لا تكون من هذه المرتبة فتكون خلافته أن يخلف من كان فيها قبل ذلك، لا أنه نائب عن الله في خلقه بالحكم الإلهي و إن كان الأمر كذلك وقع، و لكن ليس كلامنا إلا في التنصيص عليه و التصريح به، و للَّه في الأرض خلائف عن الله و هم الرسل. و أما الخلافة اليوم فعن الرسل لا عن الله، فإنهم ما يحكمون إلا بما شرع لهم الرسول لا يخرجون عن ذلك، غير أن هاهنا دقيقة لا يعلمها إلا أمثالنا، و ذلك في أخذ ما يحكمون به مما هو شرع للرسول عليه السلام) يعنى خلفاء الرسول لهم الخلافة الظاهرة لا يخرجون عما شرع لهم، و منهم من يأخذ الحكم الذي شرع للرسول عن الله، فهو خليفة الله باطنا يأخذ الحكم عنه، و خليفة الرسول ظاهرا بأن يكون حكمه المأخوذ من الله مطابقا للحكم المشروع الذي ورثه من الرسول، فهو مأمور من قبل الله أن يحكم بحكمه الذي جاء به الرسول في خلقه (فالخليفة عن الرسول من يأخذ الحكم بالنقل عنه صلى الله عليه و سلم أو بالاجتهاد الذي
__________________________________________________
فلا تكون نفس الخلافة لداود المنة الكبرى، بل التنصيص على خلافته لعموم الخلافة و خصوص تنصيصه، و إنما كان تنصيصه منه دون تنصيص سائر النعم، لأن الخلافة مرتبة الألوهية، و مرتبة الألوهية أعلى المراتب كلها فتنصيصه كذلك اه بالى.
فالإمامة تعم الخلافة و غيرها، و هذه المرتبة و المساواة برسول الله لمن سبقت له العناية من كبار الأولياء، و اتحاد الولى مع النبي في درجة واحدة لا ينافي أفضلية الأنبياء على الأولياء اه بالى.