شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٤٥
- و قال في حق موسى- وَ وَهَبْنا لَهُ من رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا- إلى مثل ذلك، فالذي تولاهم أولا هو الذي تولاهم آخرا في عموم أحوالهم أو أكثرها، و ليس إلا اسمه الوهاب، و قال في حق داود- وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا- فلم يقرن به جزاء يطلب منه و لا أخبر أنه أعطاه هذا الذي ذكره جزاء، و لما طلب الشكر على ذلك بالعمل طلبه من آل داود، و لم يتعرض لذكر داود ليشكره الآل على ما أنعم به على داود).
اعلم أنه لما كان أصل الوجود الفائض على الأشياء من محض الجود كان كماله الذي هو الخلافة الإلهية أيضا من محض الجود، فكانت للنبوة و الرسالة التي لا بد للخلافة الإلهية منهما مع التصرف في الملك بالتسخير اختصاصا إلهيا من حضرة اسم الجواد الوهاب، ليس للكسب و العمل فيه مدخل لا أولا بأن يكون جزاء لعمل منهم و لا آخرا بأن يطلب منهم شكرا و ثناء، و يكون قضاء لحق النعمة عليهم، كما ذكر في الآيات المذكورة، و إنما خصص النبوة بالتشريع احترازا عن نبوة الإنباء العام من البحث في معرفة الله بأسمائه و صفاته و أفعاله و آثاره، و عن علم الوراثة في قوله «العلماء ورثة الأنبياء» و قوله «علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل» فإن تحصيل علوم النبوة بالكسب و بالعمل الذي يثمره في قوله عليه الصلاة و السلام «من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم» نوع النبوة الكسبية، فالذي تولاهم أولا بأن أعطاهم تفضلا من غير عمل منهم تولاهم آخرا بأن يحفظ عليهم تلك النعمة في جميع الأحوال أو أكثرها و يزيدها و لا يطلب منهم شكرها مع أنهم لا يخلون بالقيام عن شكرها، لأن نشأتهم النبوية تعطيهم القيام بحقوق العبدانية على أكمل الوجوه، كما قال عليه الصلاة و السلام «أ فلا أكون عبدا شكورا» و لهذا ذكر أنه أتى داود شكرا فضلا و لم يذكر أنه أعطاه ما أعطاه جزاء لعمله و لم يطلب منه جزاء على ذلك الفضل، و إنما طلب الشكر بالعمل من آل داود على النعمة التي أنعم بها عليهم و على آل داود، و لأن النعمة على الأسلاف نعمة على الأخلاف (فهو في حق داود عطاء نعمة و إفضال و في حق آله على غير ذلك لطب المعاوضة، فقال الله تعالى- اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ- و إن كانت الأنبياء عليهم الصلاة و السلام قد شكروا الله تعالى على ما أنعم به عليهم و وهبهم فلم يكن ذلك عن طلب من الله بل تبرعوا بذلك من نفوسهم كما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى تورمت قدماه شكرا لما غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فلما قيل له في ذلك قال «أ فلا أكون عبدا شكورا» و قال في نوح- إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً- فالشكور من عباد الله قليل فأول نعمة أنعم الله بها على
__________________________________________________
فالعبد الشكور: هو الذي شكر الله على ما أنعم من غير طلب من الله الشكر، و أما الذي شكر عن طلب ربه فليس بعبد شكور، فما كان الشكور من العباد إلا الأنبياء خاصة لورود النص في حقهم، و أما غيرهم من المؤمنين و إن كانوا شاكرين لكنهم لا يكونون عبدا شكورا لعدم النص في حقهم، نعم قد أنعم الله على بعض المؤمنين ببعض نعمة من غير طلب الشكر فتبرعوا بالشكر من عند أنفسهم، فكانوا حينئذ عبدا شكورا و لم يأت النص به اه بالى.