شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٤٠
ذكرناه من تجديد الخلق بالأمثال و هو هو) أي بالحقيقة السريرية و العين المعينة العلمية لا بحسب الوجود المشخص (و صدق الأمر، كما أنك في زمان التجديد عين ما أنت في الزمن الماضي، ثم إنه من كمال علم سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح- فقيل لها ادْخُلِي الصَّرْحَ- و كان صرحا أملس لا أمت فيه من زجاج- فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً- أي ماء- وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها- حتى لا يصيب الماء ثوبها فنبهها بذلك على أن عرشها الذي رأته من هذا القبيل، و هذا غاية الإنصاف) يعنى إن تقيد الوجود في الصورة العرشية عند سليمان لم يكن إعادة العين، و لا نقل الوجود المشهود في سبأ إلى مجلس سليمان فإن ذلك محال، بل إعدام لذلك الشكل في سبإ و إيجاد لمثله عند سليمان من علم الخلق الجديد فهو إيجاد المثل لا إيجاد العين، و ذلك إيهام و تنبيه لها بإظهار المثل، فإن الصرح موهم للرائى أنه ماء صاف، كما أن المثل من الصورة العرشية موهم أنه عين العرش الذي كان في سبأ، فنبهها سليمان بقوله- إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ من قَوارِيرَ- على أن قولها- كَأَنَّهُ هُوَ- صادق إذ ليس هو هو بل كأنه هو، و كذا سؤال سليمان عنها- أَ هكَذا عَرْشُكِ- و لم يقل: أ هذا عرشك، لعلمه بالأمر في نفس الأمر (فإنه أعلمها بذلك إصابتها في قولها- كَأَنَّهُ هُوَ- فقالت عند ذلك- رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي- أي اعترفت بظلم نفسى بتأخير الإيمان إلى الآن- وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ أي إسلام سليمان- لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- فما انقادت لسليمان و إنما انقادت لرب العالمين، و سليمان من العالمين فما تقيدت في انقيادها، كما لا تتقيد الرسل في اعتقادها في الله بخلاف فرعون فإنه قال- رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ- و إن كان يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجه، و لكن لا يقوى قوته) يعنى قيد فرعون إيمانه بقوله- آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ- و إنما نسب إليه الشيخ الإيمان برب موسى و هارون لأن إيمان بنى إسرائيل إنما كان برب موسى و هارون فأسند إليه مجازا، و إلا لم يقل فرعون- رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ- و قيد إيمانه بإيمان بنى إسرائيل، و أطلقت بلقيس بقولها- رَبِّ الْعالَمِينَ- و إن كان يلحق تقييده إطلاقها من وجه، لأن رب موسى و هارون رب العالمين، لأن كلا منهما اتبع إسلامه إسلام نبيه، و لكن لا يقوى إسلامه قوة إسلامها لدلالة إسلامها على كمال اليقين حين قرنت إسلامها بإسلام سليمان دون إسلامه، فإن إسلامه كان في حال الخوف و رجا
__________________________________________________
فإنه كما كان الصرح مماثلا للماء كذلك كان وجود العرش عند سليمان مماثلا لوجوده في سبأ، و هذا تنبيه فعلى كالتنبيه القولى في سؤاله بقوله- أَ هكَذا عَرْشُكِ- و لم يقل أ هذا عرشك، فنبهت بهذين التنبيهين لتجديد الخلق مع الأنفاس و هو آية كاملة على قدرته باعثة على الإيمان به اه جامى.
(من وجه) و هو من حيث أن ربها رب العالمين (لكن لا يقوى قوته) أي لا يساوى انقيادها تقييد فرعون برب خاص اه بالى.
فكان إيمان بلقيس لإطلاقه فوق إيمان السحرة و إيمان فرعون في القوة، فكان إيمان فرعون كإيمان السحرة في القوة لكنه لم يقبل منه لعدم وقوعه في وقته اه بالى».