شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٣٩
المتراخي (فليس ذلك بصحيح، و إنما هي تقتضي تقدم الرتبة العلية عند العرب في مواضع مخصوصة، كقول الشاعر
كهز الرديني ثم اضطرب
و زمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز بلا شك، و قد جاء بثم و لا مهلة، كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس زمان العدم عين زمان وجود المثل، كتجديد الأعراض في دليل الأشاعرة، فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه آنفا في قصته، فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد في مجلس سليمان عليه السلام) يعنى أن حصول التعينات المتعاقبة و ظهور الوجود في صورة عرش بلقيس، أو ظهور صورة العرش في وجود الحق، أو تعاقب الوجودات بتعاقب التجليات كلها للحق، و ليس لآصف إلا حصول التجديد في مجلس سليمان، و ذلك أيضا إن كان يقصد منه فهو للحق في مادة آصف، و لكن لسان الإرشاد و التعليم يقتضي بما رسمه الشيخ قدس سره (فما قطع العرش مسافة و لا زويت له أرض و لا خرقها لمن فهم ما ذكرناه، و كان ذلك على يدي بعض أصحاب سليمان ليكون أعظم لسليمان عليه السلام في نفوس الحاضرين من بلقيس و أصحابها، و سبب ذلك كون سليمان هبة الله لداود من قوله تعالى- وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ- و الهبة: عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الجزاء الوفاق و الاستحقاق، فهو النعمة السابغة و الحجة البالغة و الضربة الدامغة) فهو أي سليمان لداود هو النعمة، فإن الخلافة الظاهرة الإلهية قد كملت لداود، و ظهرت أكمليتها في سليمان (و أما علمه فقوله- فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ- مع نقيض الحكم) أي حكم داود (و كلا آتاه الله حكما و علما، فكان علم داود علما مؤتى آتاه الله، و علم سليمان علم الله في المسألة إذ كان هو الحاكم بلا واسطة فكان سليمان ترجمان حق في مقعد صدق، كما أن المجتهد المصيب لحكم الله الذي يحكم به الله في المسألة لو تولاها بنفسه أو بما يوحى به لرسوله له أجران، و المخطئ لهذا الحكم المعين له أجر واحد مع كونه علما و حكما فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان عليه السلام في الحكم) أي بالقرآن و الحديث (و رتبة داود في الحكمة) بالاجتهاد (فما أفضلها من أمة، و لما رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة و استحالة انتقاله في تلك المدة عندها قالت- كَأَنَّهُ هُوَ- و صدقت بما
__________________________________________________
فلا يستعمل ثم مطلقا للمهلة بل قد يكون المرتبة العلية و هنا كذلك، لأن إعدامه في آن علة لإيجاده في آن آخر، فكان زمان عدمه عين زمان وجوده، لأن أقل أجزاء الزمان آفات، فكما أن زمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس اه بالى.
(الجزاء الوفاق) أي الجزاء الموافق للأعمال و جزاء الاستحقاق بحسب العمل، يعنى أن وجود سليمان هبة الله تعالى لداود و الفعل الذي حصل على يد بعض أصحابه في بلقيس سليمان هبة الله لسليمان لذلك لم يظهر على يدي نفسه، إذ لو ظهر لتوهم أن ذلك مقابلة عمله لا بطريق الإنعام (فهو) أي ما فعل آصف بالعرش في مجلس سليمان (النعمة السابقة) لسليمان (و الحجة البالغة) على أعيان أمته يوم القيامة (و الضربة الدامغة) في حق الكفار اه بالى.