شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٣٤
(و ليس غرضنا من هذه المسألة إلا الكلام و التنبيه على الرحمتين اللتين ذكرهما سليمان في الاسمين اللذين تفسيرهما بلسان العرب الرحمن الرحيم فقيد رحمة الوجوب) في قوله- فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ- (و أطلق رحمة الامتنان في قوله- وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- حتى الأسماء الإلهية أعنى حقائق النسب) أي التي يمتاز بها كل اسم بخصوصية من الآخر، فإن للأسماء مدلولين: أحدهما الخصوصية، و الثاني الذات من حيث هي، فإن كل اسم هو الذات عينها و الذات عينه فلا يطلق بهذا الاعتبار أنه مرحوم، و يطلق على خصوصيته أي الحقيقة المميزة أنها مرحومة، فالمرحومة هي حقائق النسب الداخلة تحت عموم كل شيء.
و هي على وجهين: أحدهما المعاني التي هي أمور اعتبارية و تعينات لا تحقق لها في الأعيان إلا بالعلم و الرحمة الذاتية، فإنها نسب للذات كالحياة و العلم و القدرة و سائر معانى الصفات المنسوبة إليه. و الثاني: هذه النسب إلى الحق الواحد الأحد كالحيية و العالمية و القادرية و أمثالها، فهي التي وسعتها رحمة الامتنان مع العالمين (فامتن عليها بنا، فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهية و النسب الربانية) أي فامتن على الأسماء بوجودنا يعنى الكمل من نوع الإنسان، فإن الله أكرم آدم بتعليم الأسماء، و جعله و بنيه مظاهرها و مظاهر النسب أي حقائق الأسماء من الصفات، فنحن أي الكمل من هذا النوع نتيجة الرحمة الذاتية الرحمانية التي هي رحمة الامتنان، و بنا رحم الأسماء فأوجدها (ثم أوجبها على نفسه بظهورنا لنا) أي لمعرفتنا أنفسنا فإنها رحمة رحيمية وجوبية (و أعلمنا أنه هويتنا لنعلم أنه ما أوجبها على نفسه إلا لنفسه فما خرجت الرحمة عنه) فهو الراحم و المرحوم (فعلى من امتن و ما ثم إلا هو؟ إلا أنه لا بد من حكم لبيان التفضيل لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم، حتى يقال: إن هذا أعلم من هذا مع أحدية العين) فالتفاضل بالظهور و الخفاء بحسب تفاضل الاستعدادات في المظاهر، لأن العين الواحدة في كل مظهر هي أصفى و أتم استعدادا و جلاء كان أظهر كمالا و جمالا (و معناه معنى نقض تعلق الإرادة عن تعلق العلم) فإن العلم و التعلق بالشيء متحكم على الإرادة، و الإرادة متحكمة على القدرة دون العكس، ألا ترى أن العلم ما لم يعين الإرادة لم تتعلق بالشيء، و الإرادة ما لم تخصص القدرة و تحكم عليها بالتعيين لم تتعلق، و لا حكم للقدرة و الإرادة على العلم، و يستتبع العلم للإرادة و الإرادة للقدرة دون العكس (فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية) فإن العلم أكمل من الإرادة، فمن تجلى الله له بصفة العلم حتى
__________________________________________________
(و التنبيه على المرحمتين) الرحمة العامة و هو صورة اشتراك سليمان في أجزاء الملك، و الرحمة الخاصة و هي اختصاصه بالمجموع و الظهور فجمع سليمان كلتيهما، قوله (فقيد رحمة الوجوب) بقوله- وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً- و قوله- فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ- (و أطلق رحمة الامتنان) في قوله- وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ- اه بالى.
(ثم) أي بعد إعطاء وجودنا بالرحمة الامتنانية (أوجبها) أي أوجب تلك الرحمة الامتنانية (على نفسه بظهورنا) أي بسبب ظهورنا بالرحمة الامتنانية (لنا) متعلق بأوجب أي ليرحمنا بها اه بالى.