شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٣٠
ما يوجب تقديم الحق و إيثار جنابه لدعا عليهم لا لهم، فما عرض عليه إلا ما استحقوا به ما تعطيه هذه الآية من التسليم للَّه و التعريض لعفوه) «ما» في ما تعطيه بدل ما استحقوا به العفو مما تعطيه هذه الآية من التسليم للَّه و تفويض أمرهم إليه، و حذف مفعول استحقوا لدلالة قوله و التعريض لعفوه عليه (و قد ورد أن الحق إذا أحب صوت عبده في دعائه إياه أخر الإجابة عنه حتى يتكرر ذلك منه حبا فيه لا إعراضا عنه، و لذلك جاء باسم الحكيم، و الحكيم: هو الذي يضع الأشياء في مواضعها، و لا يعدل بها عما يقتضيه و يطلبه حقائقها بصفاتها فالحكيم هو العليم بالترتيب) أي فالحكيم هو العليم بترتيب الأشياء (فكان صلى الله عليه و سلم بترداد هذه الآية على علم عظيم من الله فمن تلا فهكذا يتلو) أي بالعلم البكاء و التعريض و محافظة الأدب (و إلا فالسكوت أولى به، و إذا وفق الله العبد إلى نطق بأمر ما فما و فقه إليه إلا و قد أراد إجابته فيه و قضاء حاجته، فلا يستبطئ أحد ما يتضمنه ما وفق له و ليثابر مثابرة رسول الله صلى الله عليه و سلم على هذه الآية في جميع أحواله حتى يسمع بأذنه أو سمعه كيف شئت أو كيف أسمعك الله الإجابة، فإن جازاك بسؤال اللسان أسمعك بأذنك، و إن جازاك بالمعنى أسمعك بسمعك.
(١٦) فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية
إنما اختصت الكلمة السليمانية بالحكمة الرحمانية لاختصاصه عليه السلام من عند الله جميع أنواع الرحمة العامة و الخاصة، فإن الرحمة إما ذاتية أو صفاتية، و كل واحدة منهما إما عامة أو خاصة، و قد خصه الله تعالى بالوجود التام على أكمل الوجوه، و الاستعداد الكامل للولاية و النبوة من الرحمة الذاتية الخاصة و العامة، و بالمواهب الظاهرة و الباطنة، و أسبغ عليه نعمه الصورية و المعنوية، و سخر له العالم السفلى بما فيه من العناصر و المعادن و النبات و الحيوان، و العالم العلوي بالإمدادات النورية و القهرية و اللطفية من الرحمة الصفاتية الخاصة و العامة مما يطول تفصيلها كالسلطنة الكاملة و الملك العام بالتصرفات الشاملة في الأرض و التبوء منها ما شاء، و الماء بالغوص و الريح بالجرى بأمره حيث شاء، و النار بتسخير الشياطين النارية كما ذكر الله تعالى في مواضع من القرآن و حكى عنه قوله- يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا من كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ من الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- الآية، و لو لم يسخر الله العالم العلوي حتى يؤيده لما أطاعه الكون و الشيطان، و لا دان له الإنس و الجان- إِنَّهُ- يعنى الكتاب- من سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ-
__________________________________________________
عن إضاعة مجاهدته في ليلة كاملة (تقديم الحق و إيثار جنابه) من أن الحق يريد القهر و الانتقام منهم (فدعا عليهم لما لهم) لأن الأنبياء لا يريدون إلا ما يريده الحق، فلو لم يلاحظ العفو ما بالغ في دعائه ليلة كاملة، فما نزلت الآية عليه إلا أن يشفع لهم، و لا يشفع إلا لمن يقبل الشفاعة اه بالى.