شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٢٩
الغائب و هو عين الحجاب الذي هم فيه عن الحق) أي حجاب بعين عيسى و حجابيتهم، فإنهم إنما حجبوا بالصورة الشخصية المتعينة، و حصروا الحق فيه بقولهم- إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فكفروا- أي ستروا و غابوا عن الحق المتعين فيهم و في الكل من غير حصر، و ذلك الحجاب و الستر كان غيبا (فذكرهم الله النبي قبل حضورهم) الحق المتجلى في الفرقان يوم الجمع و الفصل (حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكمت في العجين) أي من حيث أحدية جمع العين (فصيرته مثلها فإنهم عبادك فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه) في الحقيقة و إن كانوا لا يعلمون ذلك، فإنهم كانوا مشركين في زعمهم و معتقدهم (و لا ذلة أعظم من ذلة العبيد لأنهم لا تصرف لهم في أنفسهم فهم بحكم ما يريد بهم سيدهم و لا شريك له فيهم، فإنه قال- عِبادُكَ- فأفرد و المراد بالعذاب إذلالهم و لا أذل منهم لكونهم عبادا، فذواتهم تقتضي أنهم أذلاء فلا تذلهم فإنك لا تذلهم بأدون مما هم فيه من كونهم عبيدا- وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ- أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقونه بمخالفتهم أي تجعل لهم غفرا تسترهم عن ذلك و تمنعهم منه- فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ- أي المنيع الحمى، و هذا الاسم إذا أعطاه الحق لمن أعطاه من عباده يسمى الحق بالمعز، و المعطى له هذا الاسم بالعزيز، فيكون منبع الحمى عما يريد به المنتقم، و المعذب من الانتقام و العذاب، و جاء بالفصل و العماد أيضا تأكيدا للبيان، و لتكون الآية على مساق واحد في قوله- إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ- و قوله- كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ- فجاء أيضا- فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فكان سؤالا من النبي صلى الله عليه و سلم و إلحاحا منه على ربه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر يرددها طلبا للإجابة، فلو سمع الإجابة في أول السؤال ما كرر، فكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضا مفصلا فيقول له في كل عرض عرض و عين عين- إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- فلو رأى في ذلك العرض
__________________________________________________
و يستدل به فكان الحق نفسه مشهودا بالعالم الشهادة، و هم لا يشاهدون الحق بالمشهود، و لا يستدلون به لكون الغيب سترا و حجابا لهم فكانوا محجوبين عن الحق اه بالى.
(حتى إذا حضروا) بين يدي الله، و شاهدوا ما كانوا عليه قبل ذلك من الحجاب (تكون الخميرة) هي ما أودع في طينة أبدانهم من استعداد الوصول إلى حضرة الحق، و العجين طينة أبدانهم فمقتضى العجين الستر و الحجاب و الخميرة الكشف عن الحق، فقد تحكم خميرتهم على عجينتهم في الدنيا فتصيرها مثله في الستر، فإذا قامت قيامتهم انتهى حكم العجين فتحكمت فيه كما تحكم فيها اه بالى.
(أي المنيع الحمى) يعنى أن ذاتك بحسب الاسم العزيز و الغفور و يقتضي مظهرا يظهر بهما كمال الظهور و لا أكمل مظهرا ممن جعل لك شريكا، فإن لم تسترهم من العذاب فائت هذه الحكمة التي يراد وقوعها، و هو ظهور الحق بكمال الغفارية أي منيع الحمى، و ما حماه إلا عين عبده (يريد به المنتقم، و المعذب من الانتقام و العذاب) فمقتضى هذا الاسم منع العذاب عن العبد المذنب لذلك التجأ في دعائه إليه فأجاب الله دعاءه حفظا