شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٢٣
الوجود الواحد يقتضي التقابل بما يستلزمه من الجهتين المختلفتين في الأمر الواحد، و هو الطبيعة المقتضية للأمور المتضادة.
(ثم إن هذا الشخص الإنسانى عجن طينته بيده و هما متقابلتان، و إن كانت كلتا يديه يمينا فلا خفاء بما بينهما من الفرقان، و لم يكن إلا كونهما اثنتين أعنى يدين، لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها و هي متقابلة فجاء باليدين) و لما كانت الطبيعة مقتضية للتقابل كانت الأسماء الإلهية متقابلة لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما يناسبها، فأخبر أن الله تعالى عجن طينة آدم أي الشخص الإنسانى بيديه و هما المتقابلان من أسمائه، و هو و إن كانتا كلتاهما يمينا أي متساويتين في القوة فالفرق بينهما ظاهر، فإن الجلال و الجمال و القهر و اللطف لا خفاء في تقابلهما، و كذا الفعل و الانفعال و الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة في الطبيعة، و لو لم يكن في تقابلهما إلا كونهما اثنين اكتفى في تقابلهما، فعبر عن كل متضادين باليدين.
(و لما أوجده باليدين سماه بشرا للمباشرة اللائقة بذلك الجناب باليدين المضافتين إليه، و جعل ذلك من عنايته لهذا النوع الإنسانى، فقال لمن أبى عن السجود له- ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ- على من هو مثلك يعنى عنصريا- أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ- عن العنصر و لست كذلك) المباشرة اللائقة بالجناب الإلهي باليدين هو التوجه نحوه بإيجاده الأسماء المتقابلة و ذلك من كمال عنايته، و لهذا وبخ إبليس بالامتناع عن سجود من خلقه باليدين، أي بالجمع بين الصفات المتقابلة، فيه إشارة منه تعالى إلى فضل من توجه إليه في إيجاده باليدين على من ليس كذلك (و يعنى بالعالين من علا بذاته عن أن يكون في نشأته النورية عنصريا و إن كان طبيعيا، فما فضل الإنسان غيره من الأنواع العنصرية إلا بكونه بشرا من طين، فهو أفضل نوع من كل ما خلق من العناصر من غير مباشرة باليدين) العالون: هم الملائكة المهيمون في سبحات جمال وجه الحق لفناء خليقتهم، لغلبة أحكام الوجوب في نشأتهم عن أحكام الإمكان لنشأتهم النورية و فنائهم عن أنفسهم، فما فضل الإنسان غيره من الكائنات العنصرية بكونه نوريا بل بكونه بشرا من طين باشر الله خلقه
__________________________________________________
فظهر أن الرسوب الرطوبة و البرودة، و الإسراع للدواء، فاختلف العالم بالكيفيات المختلفة في الطبيعة اه (باليدين) المناسبتين للطبيعة في التقابل، فعلم منه أنه لا تؤثر العلة في المعلول إلا بشرط وجود المناسبة بينهما فأوجد آدم باليدين لهذا اه بالى.
(العالين) هم الملائكة المهيمون و الملائكة المقربون، كجبريل و غيره من ملائكة العرش و الكرسي اه قال المحققون: رسل الملائكة أفضل من عامة البشر، فكل واحد من الإنسان و الملائكة العالين فاضل و مفضول، فالإنسان من حيث حقيقته الجامعة لجميع المراتب أفضل من الموجودات العنصرية و الطبيعية فكان الإنسان أفضل من الملائكة العالين عن ذلك الوجه، و العالون أفضل من الإنسان من حيث أنه لم تكن نشأتهم النورية عنصرية و إليه أشار بقوله (و يعنى بالعالين) فالمراد بالخيرية بالنص الإلهي هي هذه الخيرية لا الخيرية