شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٢١
الممكنات التي إذا بقيت في العدم على حال ثبوت أعيانها بالقوة كانت كرب الرحمن إذا وصف نفسه بالنفس وجب أن ينسب إليه جميع ما يستلزمه النفس من التنفيس و قبول صور الحروف و الكلمات، و هي هاهنا الكلمات الكونية و الأسمائية، فإن الوجود إنما يفيض بمقتضيات الأسماء الإلهية و مقتضيات قوابلها، فللنفس أحدية جمع الفواعل الأسمائية و القوابل الكونية و التقابل الذي بين الأسماء و بين القوابل و بين الفعل و الانفعال، فكذلك وجود الإنسان الذي هو من النفس يستلزم الفاعل الذي هو النافخ، و القابل الذي هو صورة البشر العنصري، و الفعل و الانفعال الذي هو النفخ و حياة الصورة، فلذلك قبل النفخ صور العالم أي وجودات الأكوان، كما يقبل نفس المتنفس صور الحروف و الكلمات، و بظهورها يحصل النفس عن كرب الرحمن، فالنفس لها أي لصورة العالم كالجوهر الهيولاني للصور المختلفة، و ليس ما يستلزمه النفس الرحمانى إلا عين الطبيعة يعنى الطبيعة الكلية، و هي اسم الله القوى، و هي التي لا تكون أفعالها إلا على وتيرة واحدة سواء كانت مع الشعور أو لا معه، فإن التي لا شعور له معه له شعور في الباطن عند أهل الكشف، فلا حركة عندهم إلا من الشعور ظاهرا و باطنا حتى إن الجماد له شعور في الباطن، فالطبيعة الكلية بهذا المعنى تشمل الأرواح المجردة الملكوتية و القوى المنطبعة في الأجرام، و يسميها الإشراقيون النور القاهر، ثم قسموا الأنوار القاهرة أي القوية في التأثير إلى قسمين:
المفارقات، و أصحاب الأصنام. و المفارقات: هم الملأ الأعلى، لأن كل واحد من أهل الجبروت و الملكوت لا يفعل ما يفعله إلا على وتيرة واحدة، و لا يفعل بعضهم أفعال بعض كما حكى الله عنهم- وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ- و أصحاب الأصنام هم القوى المنطبعة في الجوهر الهيولاني و خصصها أي الأنوار القاهرة باسم الطبائع، فإن الطبيعة عند الفلاسفة قوة سارية في جميع الأجسام تحركها إلى الكمال و تحفظها ما دامت تحمل الحفظ، فوافق وجدان الشيخ و ذوقه مذهب الإشراقيين، فمن الطبيعة الكلية القوى المنطبعة في الأجسام الهيولانية القابلة للصور، و من لوازم النفس الرحمانى الطبيعة الكلية، و هيولى العالم القابلة على ما ذكرنا أن النفس يستلزم الفواعل و القوابل و له أحديتهما، فإن الوجود الإضافي صورة أحدية الفواعل و القوابل حتى تصير الجملة به موجودا واحدا و كلمة هي حروفها كالحيوان و النبات و سائر الأكوان (فالعناصر صورة من صور الطبيعة، و ما فوق العناصر و ما تولد عنها فهو أيضا من صور الطبيعة، و هي الأرواح العلوية إلى فوق السموات السبع. و أما أرواح السموات السبع و أعيانها فهي عنصرية، فإنها من دخان العناصر المتولدة عنها) هكذا ذهب بعض الصوفية و أهل الشرع و كثير من الحكماء الإسلاميين و القدماء الإشراقيين في كون السموات
__________________________________________________
فالعرش و الكرسي مع أرواحهما و ملائكتهما طبيعيون، فما من صورة من الصور مما سوى الله إلا و هي صورة من صور الطبيعة، و ما من صورة من صور الطبيعة إلا و هي إما عنصرية و إما طبيعية