شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١٩
(فكن حقا و كن خلقا تكن باللّه رحمانا)
هذا تمام المدعى: أي كن بنور حبك حقا بحسب الحقيقة، و كن خلقا بحسب الصورة البشرية، فتقوم بك من حيث حقيقتك جميع الأسماء الإلهية، و تعم بخليقتك جميع
الحقائق و الأعيان فتعم الحق بحقيقتك الجامعة للذات الإلهية و الأسماء كلها، و تعم الخلق من رحمة الله و فيضه الواصل إلى العالم كله من حيث أنك خليفته على العالم و رابطة وجوده، و تقوم بجميع ما يحتاج إليه العالم فوسع الحق و الخلق بعين ما وسع الحق بك ذلك فتكون رحمانا لعموم وجودك و سعة رحمتك و جودك:
(و غذ خلقه منه تكون روحا و ريحانا)
إشارة إلى ما سبق من أن الحق بالوجود غذاء الخلق، إذ به قوامه و بقاؤه و حياته كالغذاء الذي به قوام المتغذى و بقاؤه و حياته، فغذ أنت بالوجود الحق لأنك النائب في ذلك عن الله، و قد تغذى الحق بأحكام الكون و صور الخلق كما تقرر من قبل، فظهر له بذلك أسماء و صفات و نعوت و أحكام و نسب و إضافات، فيكون هذا روحا للحقائق الكونية العدمية تريحها بالوجود عن العدم و تروحها عن ظلمتها بنور القدم، و تكون ريحانا للوجود الحق بالروائح الحقيقية الكائنة و النشأة الصورية الإمكانية:
(فأعطيناه ما يبدو به فينا و أعطانا
فصار الأمر مقسوما بإياه و إيانا)
أي أعطينا الحق من قابلياتنا ما يظهر به فينا بنا، و أعطانا الوجود الذي به ظهرنا، فصار الأمر الوجودي ذا وجهين: نسبة إلينا، و نسبة إليه تعالى، منقسما باعتبار العقل لا في العين إلى قسمين: قسم له منا، و قسم لنا منه، و قد وضع الضمير المنصوب المنفصل موضع المجرور المتصل، لأن المراد اللفظ أي بهذين اللفظين، كأنه قال: بأن أعطينا الظهور بنا إياه و أعطى الوجود به إيانا.
(فأحياه الذي يدرى بقلبي حين أحيانا)
__________________________________________________
(فكن حقا) بحقيقتك و روحك (و كن خلقا) بنشأتك العنصرية (تكن باللّه رحمانا) أي عام الرحمة بإفاضتك الكمالات الإلهية على عباده اه (و غذ خلقه منه) أي من الله (تكن روحا) أي غذاء روحانيا لخلقه يغتذي بك و يتلذذ بك (و ريحانا) حتى تشم من نفحات أنسك مع الحق.
(فأعطيناه ما يبدو. به) أي أعطينا الحق ما يظهر به من صور استعدادنا (فينا) من الأسماء و الصفات كالحياة و العلم و القدرة فيظهر فينا بهذه الصفات بحسب استعدادنا، و فاعل ما يبدو ضمير عائد إلى الحق، و به عائد إلى الموصول (و أعطانا) ما ظهرنا به من وجودنا و أحوالنا اه (فصار الأمر مقسوما بإياه) أي بما أعطيناه إياه (و إيانا) أي بما أعطاه إيانا اه بالى.
(فأحياه) الضمير القلب المؤخر لفظا المقدم معنى: أي أحيا قلبى بالحياة العلمية (الذي يدرى. بقلبي) أي يعلم قلبى و استعداده الأزلى (حين أحيانا) بالحياة الحسية.