شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١٨
بنورهم، كما قال تعالى- أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ- و المتحقق بهذا الإحياء هو المتحقق باسم الله المحيي بالحقيقة و بالحي و الإحياء بهذا المعنى أعز و أشرف من الإحياء بالصورة، فإنه إحياء الأرواح و النفوس و هي أشرف من الأجساد و الصور، و لا شك أن نبينا صلى الله عليه و سلم كان أفضل من عيسى و ليس له الإحياء بالصورة بل بالعلم، لكن الأول أندر و أقل وجودا، و استشراف النفوس إليه أكثر، و لذلك عظم وقعه في النفوس:
(فلولاه و لولانا لما كان الذي كانا)
أي لا بد في الأكوان و التجليات الفعلية من الحق الذي هو منبع الفيض و التأثير، و من الأعيان القابلة التي تقبل التأثير و تتأثر فتظهر التجليات الأسمائية و الأفعالية، و وجه الارتباط بما قبله أن الإحياءين و جميع الأفعال و الأكوان لا بد لها من الألوهية و العبدانية ليتحقق الفعل و القبول و التجلي و المجلى:
(فأنا أعبد حقا و إن الله مولانا
و أنا عينه فاعلم إذ ما قلت إنسانا)
أي أنا أعبد الحقيقة لأنا نعبده بالعبادة الذاتية أي الأحدية الجمعية، و إن الله بجميع الأسماء متولينا و ولينا و مدبر أمورنا بخلاف سائر الموجودات، فإنهم عبيده ببعض الوجوه و الله مولاهم ببعض الأسماء. و أما الإنسان الكامل فإنه عين الحق لظهوره في صورته بالأحدية الجمعية، بخلاف سائر الأشياء، فإنها و إن كان الحق عين كل واحد منها فليست عينه لأنها مظاهر بعض أسمائه فلا يتجلى الحق فيها على صورته الذاتية، و أما إذا قلت إنسانا أي إنسانا كاملا في الإنسانية فهو الذي يتجلى الحق على صورته الذاتية فهو عينه
(فلا تحتجب بإنسان فقد أعطاك برهانا)
أي فلا تحتجب بالإنسان عن الحق من حيث أن الإنسان اسم من أسماء الأكوان من حيث شخصه، فإنه من حيث الحقيقة اسم من أسماء الحق من حيث كونه تعالى عين الأعيان بل هو الاسم الأعظم المحيط بجميع الأسماء، إلا أن الله تعالى إله رب دائما، و ما يطلق عليه اسم السوي مألوه مربوب دائما، و الإنسان برزخ بين مجرى الإلهية و المألوهية، و الربوبية و المربوبية عين البحرين، فلا تكن محجوبا بمألوهيته عن إلهيته فقد أعطاك برهانا على إلهيته و ربوبيته:
__________________________________________________
(فلولاه و لولانا) أي فلو لم يكن الحق و أعياننا (لما كان الذي كانا) أي لما ظهر في الكون ما ظهر و هو بيان لاتحاد الإنسان مع الحق في الربوبية:
(فأنا أعبد حقا و إن الله مولانا)
و هو بيان للفرق (و أنا عينه فاعلم إذا ما قلت إنسانا) أي إذا سميت عينك بإنسان لا ينافي عينيتنا مع الحق إنسانيتنا اه بالى.
(فلا تحتجب) بصيغة المجهول (بإنسان) أي بأن تسمى بالإنسانية عينيتك مع الحق (فقد أعطاك) على عينيتك أو عينيتنا مع الحق (برهانا) و هو قوله «كنت سمعه و بصره» اه بالى.