شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١٥
أنه أحيا الموتى إلى الصورة الناسوتية البشرية بقولهم ابن مريم و هو ابن مريم بلا شك، فتخيل السامع أنهم نسبوا الألوهية للصورة و جعلوها عين الصورة، و ما فعلوا بل جعلوا الهوية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم، ففصلوا بين الصورة و الحكم لأنهم جعلوا الصورة عين الحكم) أي فعدلوا إلى الصورة الناسوتية البشرية من الله من جهة أنه أحيا الموتى بالتضمين: أي بأن جعلوه تعالى في ضمن الصورة الناسوتية و ذلك عين الحلول بقولهم: أي فعدلوا بقولهم ابن مريم و هو كما قالوا ابن مريم، لكن السامع تخيل أنهم نسبوا الألوهية إلى الصورة و جعلوها عين الصورة، و هم لم يفعلوا ذلك بل حصروا الهوية الإلهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم، ففصلوا بين الصورة المسيحية و الحكم عليها بالإلهية بهو الذي الفصل، فأفاد كلامهم الحصر لا أنهم جعلوا صورة المسيح عين الحكم عليها بالإلهية، و الظاهر أن الشيخ استعمل الحكم بمعنى المحكوم عليه ليطابق تفسيره الآية، فإن الله في الآية محكوم عليه و المسيح هو المحكوم به. و قد يستعمل الحكم كثيرا بمعنى المحكوم به فلا حرج أن يستعمل بمعنى المحكوم عليه للملابسة، و أراد أنهم أرادوا حلول الحق في صورة عيسى فأخطئوا في العبارة المتوهمة للحصر فهم السامع أنهم يقولون إن الله هو صورة عيسى، و هم يقولون بالفصل أي بالفرق، و هو أن
الله في صورة عيسى، فمعناه حل الحق في عيسى ابن مريم فالحكم على هذا حلول الله (كما كان جبريل في صورة البشر و لا نفخ، ثم نفخ ففصل بين الصورة و النفخ، و كان النفخ من الصورة فكانت و لا نفخ فما هو النفخ من حدها الذاتي) أي جعلوا الهوية الإلهية في صورة بشرية ففصلوا بينهما كما فصل بين الصورة و النفخ بأن جبريل كان في الصورة البشرية و لا نفخ و كان النفخ، فليس النفخ من ذاتيات الصورة، فكذلك كانت الهوية قبل النفخ فليس النفخ من ذاتيات الصورة، فكذلك كانت الهوية الإلهية متحققة بدون الصورة العيسوية قبلها، و كذلك كانت الصورة العيسوية متحققة قبل إحياء الموتى المنسوب إلى الإلهية، فليست إحداهما ذاتية للأخرى، لا الصورة العيسوية للهوية الإلهية و لا الإحياء المنسوب إلى الإلهية للصورة العيسوية (فوقع الخلاف لذلك بين
__________________________________________________
(ففصلوا بين الصورة و الحكم) أي الهوية الإلهية فكفروا بالكفر اللغوي و هو الستر، إذ كل صورة هي إستار طلعته لا بالكفر الشرعي، و هو معنى قولهم بالحلول أي الله حال في صورة عيسى فأحيا الموتى، فلما قالوا بالحلول حكموا أن الله هو عيسى، و هو معنى قوله لا بقولهم هو الله و حصروا الله في المسيح، فما جمع الكفر و الخطأ إلا في قولهم هذا (لا أنهم جعلوا الصورة عين الحكم) ابتداء، و إنما نسبهم الحق إلى الكفر لا إلى الخطأ، فإن خطأهم و هو الحصر في قولهم- إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ظاهر بين، و أما كفرهم فلا يدل ظاهر قولهم عليه لأن ظاهر قولهم إن الله هو المسيح لا يدل إلا على العينية، و الكفر للستر و الستر يقتضي المغايرة، فلما نسبهم الحق في قولهم هذا إلى الكفر ارتفع تخيل السامع، فظهر أن الحق ما قلناه من أنهم فصلوا بين الصورة و الحكم ابتداء، و لو لم يفعلوا لم ينسبوا إلى الكفر فكانت الهوية و لا عيسى ثم وجد لتحقيقها بدونه اه بالى.