شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١٤
متحولا عن الطينة البشرية إلى الجوهر النوري، و لكان يقال فيه إنه عيسى بحسب الهيئة البشرية ليس بعيسى بحسب الجوهر النوري، فتقع فيه الحيرة من الناظرين و لم تتحقق فائدة الإعجاز (كما وقعت في العاقل عند النظر الفكرى إذا رأى شخصا بشريا يحيى الموتى، و هو من الخصائص الإلهية إحياء النطق لا إحياء الحيوان، بقي الناظر حائرا إذ يرى الصورة بشرا للأثر الإلهي) أي لكانت الحيرة واقعة في أنه عيسى أو ليس عيسى كما وقعت، مع كونه غير متحرك لا في صورته و لا في طينته من العقلاء بحسب النظر الفكرى، حين رأوا شخصا بشريا لا شك فيه صدر عنه خاصية إلهية هي إحياء الموتى إحياء النطق و الدعاء، يعنى إحياء بالنطق و الدعاء، فكان يقول: قم حيا بإذن الله أو باسم الله أو باللّه، فيحيا و يجيبه فيما كلمه به و يقول لبيك إذا دعاه، لا إحياء الحيوان الذي يمشى و يأكل و يبقى حيا مدة على ما روى في قصته أنه أحيا بنطقه سام بن نوح فشهد بنبوته ثم رجع إلى حالته، فبقوا حائرين فيه كيف تصدر الآثار الإلهية من البشر (فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول و أنه هو الله بما أحيا به من الموتى، و لذلك نسبوا إلى الكفر و هو الستر، لأنهم ستروا الله الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى، فقال تعالى- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ- فجمعوا بين الخطإ و الكفر في تمام الكلام كله لا بقولهم هو الله و لا بقولهم ابن مريم) أي فأدى النظر الفكرى إلى بقاء الناظر حائرا فأدى بعضهم في حق عيسى إلى القول بالحلول، و أنه هو الله في صورة المسيح من حيث أحيا المسيح به الموتى، فنسبوا في ذلك إلى الكفر لأنهم ستروا الله بصورة بشرة عيسى، حيث توهموا أنه فيها فكفرهم الله تعالى بقوله- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ- لأنهم بين الخطإ و الكفر في تمام الكلام لا في أجزائه لأنهم لم يكفروا بحمل هو على الله لأن الله هو، و لا بحمل الله عليه فيقولوا هو الله لأنه الله، و لا بقولهم ابن مريم لأنه ابن مريم بل بحصر الحق في هوية المسيح ابن مريم و توهمهم حلوله فيه، و الله ليس بمحصور في شيء بل هو المسيح و هو العالم كله، فجمعوا بين الخطإ بالحصر و بين ستر الحق بصورة بشرة عيسى (فعدلوا بالتضمين من الله من حيث
__________________________________________________
قوله (و هو) أي إحياء الموتى (من الخصائص الإلهية إحياء النطق) أي يحيى الإنسان الميت ناطقا كعيسى مجيبا لدعوته فكان الإحياء إحياء مع النطق (لا إحياء الحيوان) أي لا الإحياء الذي يتحرك و يقوم بدون النطق، إذ لو كان كذلك لم يكن معجزة، فلما أحيا سام فقام و شهد بنبوته عليه السلام ثم رجع إلى أول حاله تحيروا فيه فاختلفوا على حسب نظرهم بقي الناظر حائرا اه بالى.
يعنى قال بعضهم من النصارى: إن الله حل في عيسى فأحيا الموتى، و بعضهم قال: إنه هو الله بما أحيا اه قوله (بصورة بشرية) تنازع فيه ستروا و أحيا فأيهما عمل حذف المفعول الآخر اه (فجمعوا بين الخطإ) و هو حصر الحق في الصورة العيسوية. (و الكفر) و هو ستر الحق فيها (في تمام الكلام كله) فكفروا بقولهم هذا بالكفر الشرعي (لا بقولهم هو الله) لأنه هو الله من حيث تعينه بالصورة العيسوية و إحياؤه الموتى، و ليس الله هو من حيث تعينه بصورة أخرى (و لا بقولهم ابن مريم) اه بالى.