شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢١٠
و كان السامري عالما بذلك فقبض قبضة من ذلك التراب فنبذها في الصورة المفرغة على صوره العجل فظهر فيه ما ناسب صورته من الحياة و هو الخوار (فذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء يسمى لاهوتا، و الناسوت هو المحل القائم به ذلك الروح فيسمى الناسوت روحا بما قام به) لما كانت الحياة من خواص الحضرة الإلهية بل هي عين الذات الإلهية سميت الحياة السارية في الأشياء لاهوتا، و المحل القائم به ذلك الروح الحي الذي يحيا به المحل ناسوتا و قد سمى المحل الذي يقوم به الروح روحا مجازا تسمية المحل باسم الحال كالرؤية، و إذا كان المحل الذي يقوم به صورة إنسانية سميت ناسوتا بالحقيقة، و إذا كان غير الصورة الإنسانية سميت ناسوتا مجازا باعتبار كونه محلا للاهوت (فلما تمثل الروح الأمين الذي هو جبريل لمريم عليها السلام- بَشَراً سَوِيًّا- تخيلت أنه بشر يريد مواقعتها فاستعاذت باللّه منه استعاذة بجمعية منها أي بكلية وجودها) و جوامع هممها بحيث صارت منخلعة من جميع الجهات إلى الله (ليخلصها الله منه لما تعلم أن ذلك مما لا يجوز، فحصل لها حضور تام مع الله و هو الروح المعنوي) لأن حضورها مع الله نفس عنها الحرج الذي بها، فحصل لها روح معنوى لا يكون إلا بتجل نفسى رحمانى (فلو نفخ فيها في ذلك الوقت على هذه الحالة لخرج عيسى لا يطيقه أحد لشكاسة خلقه لحال أمه) لأن الروح في كل محل يظهر بحسب حال المحل، فلو كان نفخ الروح فيها في حال الاستعاذة، و هي حال التحرج و الضجر من تخيلها وقوع الفاحشة من البشر الذي تمثل لها، و كان في صورة التقى النجار لجاء عيسى منقبضا شكس الخلق على صور حال أمه لأنها لما رأته و كانت مقبلة إلى الله زاهدة في الدنيا حصورة عن النكاح تضجرت و حرجت نفسها مما رأت، فعلم الروح الأمين منها ذلك فآنسها بقوله- إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ- (فلما قال لها- إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ- جئت- لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا- انبسطت عن ذلك القبض و انشرح صدرها فنفخ فيها ذلك الحين عيسى، فكان جبريل ناقلا كلمة الله لمريم كما ينقل الرسول كلام الله لأمته و هو قوله- وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ- فسرت الشهوة في مريم، فخلق جسم عيسى من ماء محقق من مريم، و من ماء متوهم من جبريل سرى في رطوبة ذلك النفخ، لأن النفخ من الجسم الحاوانى رطب لما فيه من ركن الماء، فتكون جسم عيسى من ماء متوهم و من ماء محقق، و خرج على صورة البشر من أجل
__________________________________________________
(هو المحل القائم به ذلك الروح) بل صفاته السارية منه فيه، فإن الروح ليس قائما بالمحل بل القائم بها هو الصفات السارية من الروح إليه، و الناسوت و إن كان مأخوذا من الناس ليس مخصوصا به بل يطلق عليه و على غيره باعتبار محليته لصفات الروح و قيامها به. و لما كان اسم الروح يطلق على الصورة و على الصورة المثالية الجبريلية أراد أن ينبه على أنه على سبيل التجوز فقال (فتسمى الناسوت روحا) اه جامى.
(من ماء متوهم و من ماء محقق) فكان لكل واحد منهما خواص تظهر من عيسى اه. فإن حفظ هذه الصورة الشريفة واجب على أنه لو لم يكن على هذه الصورة لما كان نبيا مبعوثا إليهم لعدم بقاء المناسبة بينه و بينهم اه بالى.