شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٠٩
و في نسخة: لتكوين، أي الله خاصة طهر جسمه عن الأقذار الطبيعية، فإنه روح متجسد في بدن مثالى روحانى و لذلك بقي مدة مديدة زائدة على ألف في زماننا هذا، و من الهجرة سبعمائة و ثلاثون بثلاثمائة و ستة و ثلاثين، فإن من ميلاد النبي إلى زماننا هذا سبعمائة و إحدى و ثمانين سنة، و ذلك إما من صفاء جوهر طينته و لطافتها و صفاء طينة أمه و طهارتها، و نزه روحه و قدسه من التأثر بالهيئات الطبيعية و الصفات البدنية لتأيده بروح القدس الذي هو على صورته، و لهذا ما قتل و ما صلب كما أخبر الله عنه لتجرده عن الملابس الهيولانية، و صيره مثلا له بتكوين الطير من الطين و تكوين الأعراض من الحياة و الصحة في الموتى و المرضى في نشأته الأولى، و بكونه خليفة الله و خاتم الولاية في نشأته الثانية أي مثله في الصفات، أو صيره مثل الخلق في الصورة بتكوينه تعالى إياه من الطبيعة الجسمانية.
(اعلم أن من خصائص الأرواح أنها لا تطأ شيئا إلا حيى ذلك الشيء و سرت الحياة فيه و لهذا قبض السامري قبضة من أثر الرسول الذي هو جبريل و هو الروح و كان السامري عالما بهذا الأمر فلما عرف أنه جبريل عرف أن الحياة قد سرت فيما وطئ عليه فقبض قبضة من أثر الرسول بالضاد أو بالصاد أي بملء يده أو بأطراف أصابعه فنبذها في العجل فخار العجل، إذ صوت البقر إنما هو خوار، و لو أقامه صورة أخرى لنسب إليه اسم الصوت الذي لتلك الصورة كالرغاء للإبل، و الثؤاج للكباش، و اليعار للشياه، و الصوت للإنسان أو النطق أو الكلام) لما كانت الحياة للروح ذاتية لأن الروح من نفس الرحمن لم يؤثر في جسم إذ لم يباشره بالصورة المثالية إلا ظهر فيه خاصية الحياة و أثر من آثارها بحسب صورة ذلك الجسم، فإن كان ذا مزاج معتدل قابل للحياة ظهر فيه الحس و الحركة و جميع خواص الحياة بحسب المزاج المخصوص، و إن لم يكن ظهر فيه أثر من الحياة بحسب صورته كالخوار لصوت البقر، و كلما كان الروح أقوى كان تأثيره أقوى و أشد و خاصيته أظهر، و جبريل عند أهل العرفان هو الروح الكلى المسلط على السموات السبع و ما تحتها من العناصر و المواليد و محل سلطنته السدرة المنتهى و هي صورة نفس الفلك السابع، و كل ما في المرتبة العالية من الأرواح فهو مؤثر في جميع ما في المراتب السافلة التي تحتها فأرواح سائر الأفلاك التي تحت السابع كأعوانه و قواه. و أما روح فلك القمر الذي سماه الفلاسفة العقل الفعال، فالعرفاء يسمونه إسماعيل، و هو ليس بإسماعيل النبي عليه السلام بل ملك مسلط على عالم الكون و الفساد من أعوان جبريل و أتباعه، و ليس له حكم فيما فوق فلك القمر، كما لا حكم لجبريل فيما فوق السدرة فظهر جبريل في الصورة المثالية على الحيزوم الذي هو أيضا صورة متمثلة من الروح الحيواني سرى في التراب الذي وطئ عليه فسرت فيه قوة الحياة المتعدية
__________________________________________________
(و سرت الحياة فيه) لأن الحياة أول صفة تعرض الروح فيؤثر بها الروح فيما يطأ عليه.