شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ٢٠٣
الأمور على التجلي، و التجلي لا يكون إلا بما أنت عليه من الاستعداد الذي به يقع الإدراك الذوقي، فتعلم أنك ما أدركت إلا بحسب استعدادك فتنظر في هذا الأمر الذي طلبت، فإذا لم تره تعلم أنه ليس عندك الاستعداد الذي تطلبه و أن ذلك من خصائص الذات الإلهية، و قد علمت أن الله أعطى كل شيء خلقه، فإذا لم يعطك هذا الاستعداد الخاص فما هو خلقك و لو كان خلقك لأعطاكه؟ الحق الذي أخبر أنه- أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ- فتكون أنت الذي تنتهي عن مثل هذا السؤال من نفسك، لا تحتاج فيه إلى نهى آخر إنما تدرك الكيفيات بالذوق لأنها وجدانية مدركة بقوى نفسانية و مزاج خاص للروح المدرك كما في الطعوم المذوقة أو الروائح المشمومة، فإن لم يكن له قوة الذوق و الشم لا يجد الطعوم و الروائح و لا يميزها في المذوق و المشموم، و إن علمها و تميز بالعقل بعضها عن بعض، و أما الحديث المروي في عتبه فإنه يفيد أن الكشف سر القدر يقتضي الأدب الحقيقي في السؤال و تركه، لأنه إذا رفع عنه لإخبار و كشف له عن عينه اطلع على ما في عينه، فإن رأى فيه الأمر الذي طلبه علم أنه أعطى ذلك باستعداده، و إن لم يره علم أنه ليس فيه استعداد ذلك الأمر الذي يطلبه و أنه من خصائص الذات الإلهية، و قد أعطى كل شيء خلقه يعطيه هذا الاستعداد الخاص و إلا كان في عينه الثابتة الغير المجعولة، فلما لم يكن فيها انتهى عن مثل هذا السؤال من نفسه من غير احتياج فيه إلى نهى إلهى (و هذا عناية من الله بعزير عليه السلام، علم ذلك من علمه و جهل من جهله) فإنه تأديب إلهى كما قال عليه الصلاة و السلام «أدبنى ربى فأحسن تأديبى».
و اعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العالم و لهذا لم تنقطع و لها الإنباء العام، و أما نبوة التشريع و الرسالة فمنقطعة، و في محمد عليه الصلاة و السلام قد انقطعت فلا نبى بعده، يعنى مشرعا أو مشرعا له و لا رسول و هو المشرع، و هذا الحديث قصم ظهور أولياء الله لأنه يتضمن انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة فلا ينطلق عليها اسمها الخاص بها، فإن العبد يريد أن لا يشارك سيده و هو الله في اسم و الله لم يتسم بنبي و لا رسول، و تسمى بالولى و اتصف بهذا الاسم فقال- الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا- و قال- وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ- الولاية هو الفناء في الله و الله هو المحيط بالكل و- كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- يقتضي إحاطته بالكل و عدم انقطاع الولاية لأن الكل به موجود بنفسه فان هالك، و لهذه الولاية الإنباء العام أي التعريض الإلهي و إخبار كل مستعد طالب بخصائص التوحيد الذاتي و الأسمائى لكل عارف باللّه، و الباقي ظاهر إلى قوله: و هذا الحديث قصم، لأن الرجال الكمل يتحققون أن أسماء الرب لهم عارضة، إنما أطلقت عليهم من حيث فناؤهم في الله تعالى، و إن ما يختص بهم إنما هو
__________________________________________________
(علم ذلك) العناية (من علمه) و حمل هذا الكلام على العناية و المراد به نفسه قدس سره (و جهل من جهل) و حمل القول على العتب فلا يصح حمل الكلام على العتب اه بالى.