شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٩٨
فهو يعطى النقيضين، و به وصف الحق نفسه بالغضب و الرضا و به تقابلت الأسماء الإلهية) أما إعطاء العلم بالقدر صاحبه الراحة الكلية فظاهر، لأنه إذا علم يقينا أنه لا يحصل له إلا ما قدر له مما ثبت في عينه الثابتة أزلا، و لا يمكن فيه الزيادة و التغير و التبدل استراح من تعب الطلب، و إن قدر له الطلب أجمل في الطلب و لم يتعب، كما قال عليه الصلاة و السلام «إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فأجملوا في الطلب» لأنه يعلم أن جعل الطلب سببا للوصول لم يتخلف وصول المطلوب عنه، و إن لم يجعل لم يصل إليه إن لم يكن من نصيبه، فرضى بما رزق و أراح نفسه سيما إن رزق الحظ الأوفر:
قال على رضى الله عنه: اعلموا علما يقينا أن الله لم يجعل للعبد و إن عظمت حيلته و قويت مكيدته؟ و اشتدت طلبته أكثر مما سمى له في الذكر الحكيم، و لم يجعل بين العبد عند ضعفه و عدم حيلته دون ما سمى له في الذكر الحكيم، و العارف لهذا العامل به أعظم الناس راحة، و النازل لهذا الشاك فيه أعظم الناس شغلا بما يضره. و أما عطاؤه العذاب الأليم فلأنه قد يؤمر بما يعلم أنه ليس في استعداده الإتيان به كما سيأتي في الرزق المحمدي، و قد يرى أعيانا على أكمل استعداد لكل كمال و أوفر حظ في الدنيا و الآخرة، و قد تحقق أنه ليس في استعداده ذلك و لا يمكنه البلوغ إليه فيتألم و يتحسر لنقصان استعداده، و على كل حال يكون أحسن حالا من المحجوب عن سر القدر و أقرب إلى الرضى. و أما ترتب الرضى و الغضب الإلهيين على حكم القدر فلأن الرضى يتبع الاستعداد الكامل المقتضى لقبول الرحمة و الرأفة الموفق صاحبه للأعمال الجميلة و الأخلاق الفاضلة و الكمالات العلمية و العملية و الأحوال الموجبة سعادة الدارين، كما قيل: عنايته الأزلية كفايته الأبدية. و أما الغضب فقد ترتب على نقصان الاستعداد و عدم القابلية للخير، و لكمال السعادة و الصلاحية لإتيان ما فيه نجاته، و أهلية العلم و العمل النافع كما قيل في حق إبليس:
فلا سبيل إلى مرضاة ذى غضب من غير جرم و لا يدرى له سببا
و أما تقابل الأسماء الإلهية بحكم القدر فظاهر مما ذكر في الرضى و الغضب، فإن أعيانا مخصوصة مظاهر الاسم اللطيف و الجميل و المنعم و نظائرها، و أعيانا أخر مظاهر للقاهر و الجليل و المنتقم و أمثالها، و ليس ذلك إلا مقتضى استعداد ذاتها الذاتية و حقائقها العينية (فحقيقة تحكم في الموجود المطلق و الموجود المقيد لا يمكن أن يكون شيء أتم منها و لا أقوى و لا أعظم لعموم حكمها المتعدي و غير المتعدي) المراد بالحقيقة سر القدر و حكمها في الموجود
__________________________________________________
حكم سر القدر في الخلق، و أما حكمه في الحق قوله (و به وصف نفسه) اه بالى (لعموم حكمها) باللطف و القهر (المتعدي) أي الحق (و) لعموم حكمها بالسعادة و الشقاوة (غير المتعدي) أي الخلق. قال بعض الشراح: المراد بالحكم المتعدي الأحكام و التأثيرات التي تقع من الأعيان، و غير المتعدي ما يقع في مظاهرها فيحتاج إلى حذف الموصوف بتقديره الحكم المتعدي اه بالى.