شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٩٢
قلوبهم في أكنة عما عليه الأمر في نفسه حسبوا أن الحق الثابت في نفس الأمر خلافه فسموه بالنسبة إليه نزاعا و ليس به في نفس الأمر، فلما كان العارف يرى ذلك وفاقا لما في علم الله و لما في عينه منعه من التصرف في العالم بدفعه و قهره و إهلاكه.
(قال الشيخ أبو عبد الله بن القائد للشيخ أبى السعود بن الشبلي: لم لا تتصرف؟ فقال أبو السعود: تركت الحق يتصرف لي كما يشاء، يريد قوله تعالى آمرا- فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا- فالوكيل هو المتصرف و لا سيما و قد سمع أن الله يقول- وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ- فعلم أبو السعود و العارفون أن الأمر الذي بيده ليس له و أنه مستخلف فيه، ثم قال له الحق:
هذا الأمر الذي استخلفتك فيه و ملكتك إياه اجعلني و اتخذني وكيلا فيه، امتثل أبو السعود أمر الله فاتخذه وكيلا، فكيف يبقى لمن يشهد مثل هذا الأمر همة يتصرف بها، و الهمة لا تفعل إلا بالجمعية التي لا متسع لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه، و هذه المعرفة تفرقه عن هذه الجمعية فيظهر العارف التام المعرفة بغاية العجز و الضعف. قال بعض الأبدال للشيخ عبد الرزاق: قل للشيخ أبى مدين بعد السلام عليه: يا أبا مدين، لم لا يعتاص علينا شيء و أنت تعتاص عليك الأشياء؟ و نحن نرغب في مقامك و أنت لا ترغب في مقامنا) هذا كله غنى عن الشرح، و من هاهنا كلام الشيخ (و كذلك كان) أي كان تعتاص عليه الأمور (مع كون أبى مدين كان عنده ذلك المقام و غيره، و نحن أتم في مقام الضعف و العجز منه و مع هذا قال له هذا البدل ما قال، و هذا من ذلك القبيل أيضا) أي و ما نحن فيه من العجز من كمال المعرفة أيضا (قال صلى الله عليه و سلم في هذا المقام عن أمر الله له بذلك- ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ- فالرسول بحكم ما يوحى إليه به ما عنده غير ذلك، فإن أوحى إليه بالتصرف بجزم تصرف، و إن منع امتنع، و إن خير اختار ترك التصرف) تأدبا بآداب العبودية في مقام الاستقامة و ملازمة لما له ذاتى، و تفويضا للتصرف إلى من له تصرف ذاتى (إلا أن يكون ناقص المعرفة) أي أن يكون المخير ناقص المعرفة فاختاره، و ذلك إما لعدم علمه بأن التصرف و التأثير مخصوص بالحضرة الإلهية، و أنه ذاتى للحق عارضى للعهد، و أن الوقوف مع معبودية للعبد أولى، لأن الوقوف مع الذاتيات و الظهور بها أعلى و أشرف من الظهور بالأمور العرضية، و إما لعدم التأدب و المعرفة بأن مراعاة الآداب مع الحضور الإلهية أولى بالعبد، و أن اتخاذ الله وكيلا فيما استخلفه فيه أعلى
__________________________________________________
(لم لا يعتاص علينا شيء) إذا أردنا حصوله يحصل بتصرفنا و يلين لنا و لا ينازعنا (و أنت تعتاص عليك الأشياء؟) أي لا تتبع على مرادك، يعنى نحن نتصرف و أنت لا تتصرف (و هذا) أي الذي منع أبا مدين من التصرف (من ذلك القبيل) أي من قبيل ما يمنع أبا السعود و أمثاله من التصرف و هو المعرفة التامة (أيضا) كأبي السعود و غيره اه. فظهر أن البدل الذي قال لأبى مدين نقص من المعرفة، و لو علم ما قاله له لعلم أن العارف لا يتصرف بالاختيار بل بالجبر و الأمر من الله اه بالى.