شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٩١
أي على أيّ شيء أو على أي أحد يرسل همته إذ ليس ثمة غيره، ثم قال: فيمنعه ذلك، و الوجه الثاني، و هو شهود أحدية المتصرف و المتصرف فيه كما يمنع من التصرف، فقد يقتضي التصرف لأنه واقع في نفس الأمر، إذ ليس في الوجود إلا الحق وحده و التصرف واقع، فلو تصرف العارف بالأحدية المذكورة ما كان ذلك التصرف إلا للحق و لا سيما العبد الكامل، فإنه هو الذي له جميع ما للَّه من حقائق الأسماء الإلهية، و ما للعبد من الصفات العبدانية بأحدية العين و إلا لم يكن كاملا، لكن لا يكون ذلك بإرسال الهمة و تسليطها لئلا يضره و يخل بمقام العبودية بل بإظهار الحق ذلك منه، و ظهوره تعالى على مظهره بالتصرف من غير تعبد منه بذلك، و لا إرسال همة و لا تسليط نفس و لا ظهورية، فالمانع بالحقيقة هو الوقوف في مقام العبودية الذاتية ورد أمانة الربوبية العرضية إلى الله تأدبا بآداب أهل القرب فلا يتعدى للتصرف و التسخير، و يتوجه بالكلية إلى الله الواحد الأحد المتفرد بالتدبير و التقدير.
(و في هذا المشهد يرى أن المنازع له ما عدل عن حقيقته التي هو عليها في حال ثبوت عينه و حال عدمه، فما ظهر في الوجود إلا ما كان له في حال العدم في الثبوت، فما تعدى حقيقته و لا أخل بطريقته، فتسمية ذلك نزاعا إنما هو أمر عرضى أظهره الحجاب الذي على أعين الناس، كما قال الله تعالى- وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ يعنى أن العارف في هذه الشهود و هو شهود أحدية العين مطلع على سر القدر يرى أن المنازع على صراط ربه ما عدل على علم الله منه و عما اقتضاه علمه في حال ثبوتها، فليس هو نزاع في الحقيقة بل هو فيما يفعله كهذا العارف فيما يفعله، و الحجاب الحاجب للناس عن اطلاعهم على حقيقة الأمر اقتضى أن يسمى ذلك نزاعا لما بينهما من الخلاف (و هو من المقلوب، فإنه من قولهم- قُلُوبُنا غُلْفٌ- أي في غلاف و هو الكنّ الذي يستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه، فهذا و أمثاله يمنع العارف من التصرف في العالم) و هو أي كونه نزاعا من باب المقلوب الذي قلبه أصحاب الحجاب من حقيقته لأنه وفاق لما كان عليه عينه في حال الثبوت، و لكن لما كانت
__________________________________________________
(فتسمية ذلك نزاعا) مطلقا، و إنما قلنا مطلقا لأن أهل الله سموه نزاعا بحسب الأمر التكليفي، و لا يسمى نزاعا بحسب الأمر الإرادى، و أما أهل الحجاب فيسمون نزاعا مطلقا اه (أظهره الحجاب) المانع للاطلاع على سر القدر و يزعمون أن الناس كلهم قابل الهداية و اتباع الرسل، و ما علموا أن كلا موافق لطريقه في الأزل باقتضاء أعيانهم الثابتة في العلم، لذلك يسمون عدم الطاعة في الظاهر نزاعا و مخالفة مطلقا، و لو علموا الأمر لسموا نزاعا من وجه و اتباعا من وجه فقلب اللام و الفاء بالقلب المكان، فكان أصل غافلون غالفون أي غالفون قلوبهم في غلاف الحجاب، و هو الكن الذي يستره أي يستر القلب، لقوله تعالى- وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً- (فهذا) أي التحقق بمقام العبودية و النظر إلى أصل الخلقة و الاطلاع على أحدية المتصرف و المتصرف فيه و أمثاله (يمنع العارف من التصرف) بالهمة (في العالم) اه بالى.