شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٩
ما ذكرنا و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة- أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها- و ليس إلا النزاع و هو عين ما وقع منهم، فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق، فلو لا أن نشأتهم تعطى ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه و هم لا يشعرون، فلو عرفوا نفوسهم لعلموا و لو علموا لعصموا ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس و التسبيح و عند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها فما سبحت ربها بها و لا قدسته عنها تقديس آدم و تسبيحه) أي لم تطلع على ما تقتضيه نشأة آدم من الجمعية الإلهية و ظهوره بصورة الحق و هويته لكونه مطلوبا بجميع الأسماء و لا على ما تقتضيه الحضرة الإلهية من أن يعبد بعبادة ذاتية أي يطلب عابدا يعبد ذاته بجميع أسمائه فهو من حيث أنه مطلوب جميع الأسماء أعز الموجودات و من حيث أنه عابد ربه بجميع الأسماء أذل الأشياء إذ لا يعبد الله العبادة الذاتية التامة بجميع الأسماء إلا الإنسان الكامل، و لهذا عبدوا الحجارة و الجمادات فإنه لا يعبد أحد معبودا إلا إذا عرفه و لا يعرف إلا ما تقتضيه ذاته بأن يكون فيه فيدركه بالذوق، و ليس للملائكة جمعية آدم فلم تطلع على الأسماء التي تخص جمعية آدم، و سبحت الحق و قدسته جمعية آدم بها و لم تعرف أن للَّه أسماء لم يصل علمها إليها فما سبحت بها و لا قدسته فغلب عليها مقتضى نشأتها، فقوله: و لا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها و سبحت الحق بها و قدسته، معناه بالقياس إلى قوله لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليفة على ما ذكرته من رجوع الضمير في تخصها و سبحته و قدسته إلى جمعية آدم ظاهر. و وجه آخر و هو أن يكون الوقوف بمعنى الثبات لا بمعنى الاطلاع، و الضمائر الثلاثة ترجع إلى الملائكة، أي لم يثبت الملائكة مع الأسماء التي تخصها و لم تقف بحكمها حتى شرعت في تجريح آدم و قدحت فيه، إذ ما عرفت ما في آدم من الأسماء التي لم تعرفها، فحكم عليها حالها التي هي النقص حتى نسبوا النقص الذي هو مقتضى نشأتها إلى آدم، فقالت- أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ- لأنها أدركت بنقصها نقص آدم و ما تحت حيطتها و مرتبتها من خواص القوة الشهوانية و الغضبية و احتجبت عما فوق نشأتها من الأسماء التي ليست لها فأظهرت النزاع الذي هو حالها و مقتضى نشأتها لأن إدراك النقص و الاحتجاب عن الكمال عين الإنكار و النزاع، فكان ما قالوا في حق آدم عين ما هم فيه مع الله (فوصف الحق
__________________________________________________
و اعلم أن إيراده قدس سره هذه القصة في كتابه دلالة على كمال علمه و أدبه مع الله و حسن خلقه مع الناس، و هي أن المؤمنين الذين نازعوا و طعنوا في إظهار المعاني التي لا يعرفها عقل بطريق نظر فكرى، بمنزلة الملائكة الذين نازعوا في آدم فنفسه قدس سره بمنزلة آدم، فكما كان آدم لا يغضب على الملائكة بسبب قولهم فكذلك الشيخ لا يغضب على الذين يظنون السوء في حقه، لتحققه بقوله تعالى- وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ- فكما أن ما قالوه في حق آدم عين مخالفتهم لأمر الحق، فكذلك الطاعنون في حقه عين مخالفتهم لأمر الحق، فمن ظن السوء في حقه و نصب إليه ما لا يليق للمؤمنين يخشى عليه الافتضاح في وقت المعاينة يخبر عنه قوله فنفتضح بالى.