شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٨٩
بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ- فقال صلى الله عليه و سلم «يرحم الله أخى لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد» فنبه صلى الله عليه و سلم أنه كان مع الله من كونه شديدا، و الذي قصد لوط عليه السلام القبيلة بالركن الشديد و المقاومة بقوله- لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً- و هي الهمة هاهنا من البشر خاصة) فهو أي الشدة و القوة الهمة القوية الشديدة، أي لو أن لي بكم قوة من الهمة القوية أقاومكم بها و أقاويكم، أو آوى إلى جانب قوى هو القبيلة ظاهرا و الله تعالى حقيقة و باطنا، و لهذا قال عليه الصلاة و السلام «لقد كان يأوى إلى ركن شديد» من اسمه القوى الشديد، و لو لم يتأيد بالقوى الشديد لما قهر الأعداء، فكان هذا القول يقينا من قوى شديد باللّه، أي بقوة همته المتأيدة بالقوى الشديد فيهم فأهلكهم و لما كان نظر لوط إلى مظاهر القوة و الشدة من حيث أنه أضاف القوة إلى نفسه و قصد بالركن القبيلة، قيد الشيخ قدس سره الهمة هنا بقوله من البشر خاصة و قال (فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم «فمن ذلك الوقت» يعنى من الزمان الذي قال فيه لوط عليه السلام- أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ- «ما بعث نبى بعد ذلك إلا في منعة من قومه» فكان يحميه قبيلته كأبي طالب مع رسول الله) يعنى من قوة همته و تأثير باطنه (فقوله- لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً- لكونه) أي لكون لوط عليه السلام (سمع الله تعالى يقول- الله الَّذِي خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ- بالأصالة- ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً- فعرضت القوة بالجعل فهي قوة عرضية- ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً- فالجعل تعلق بالشيبة، و أما الضعف فهو رجوع إلى أصل خلقه، و هو قوله- خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ- فرده لما خلقه منه، كما قال- وَ مِنْكُمْ من يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ من بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً- فذكر أنه رد إلى الضعف الأول، فحكم الشيخ حكم الطفل في الضعف) أي سمع لوط عليه السلام سمع روحه من الله تعالى قوله- الَّذِي خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ- فتحقق أن الممكن لا وجود له بالأصالة فلا قوة له، فأصله الضعف حين خلق من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم يخرجكم طفلا، فالضعف له ذاتى بمقتضى طبيعة الإمكان، و بمقتضى
__________________________________________________
- لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً بمقاومتكم أَوْ آوِي- أي ألتجئ- إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ- إلى قبيلة غالبة على الأعداء اه (إنه كان مع الله من كونه شديدا) فكان غالبا على أعدائه مع نصرة الله (من ركن شديد) فكان له أبو طالب ركنا شديدا اه. و ألهمه القوة الروحانية المؤثرة في النفوس لا القوة الجسمانية، فإنها أقوى تأثيرا من الجسمانية اه بالى. فالضعف منشأ و مبدأ للخلق.
(فالجعل تعلق بالشيبة) لكونها أمرا وجوديا عرضيا كالقوة و أوجدها الحق تعالى بالخلق الجديد (و أما الضعف فهو رجوع) و هو عدم القوة فلا يتعلق الجعل به. فإن قيل: إن تعلق الجعل بهما ظاهر في الآية. قلنا: لما كان الشيب صفة عارضة للإنسان اعتبر الشيخ تعلقه إليه بمعنى الإيجاد، و لما كان الضعف وصفا أصليا له اعتبر تعلقه إليه بمعنى الرد إلى أصله لذلك قال (فرده لما خلقه منه) و هو الضعف و الشيبة سبب موجب لرد الشيء إلى أصله و هو الضعف، و أورد دليلا على أن الضعف بعد القوة رد على أصله لا يتعلق به الجعل. قوله تعالى كما قال- وَ مِنْكُمْ من يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ- اه بالى.