شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٨٣
فقد يكون من تجلى الاسم الرحمانى لفائدة تعود إلى العبد، إما من باب الرحمة الامتنانية لعناية سبقت في حقه فيريح و يرزق الترقي، و إما من اسمه العدل من باب المجازاة فجوزى بعمله و المآل إلى الرحمة، هذا فيما يعتقد المعتقدون في الحكم من الله عليهم.
(و أما في الهوية فإن بعض العباد يجزم في اعتقاده أن الله كذا و كذا، فإذا انكشف الغطاء رأى صورة معتقده و هي حق فاعتقدها و انحلت العقدة فزال الاعتقاد و عاد علما بالمشاهدة، و بعد احتداد البصر لا يرجع كليل النظر فيبدو لبعض العبيد باختلاف التجلي في الصور عند الرؤية، لأنه لا يتكرر فيصدق عليه في الهوية- وَ بَدا لَهُمْ من الله- في هويته- ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ- فيها قبل كشف الغطاء) هذا من باب الاعتقاد في هويته، و الأول من باب الاعتقاد في حكمه، فإذا تجلى الحق للعبد في صورة معتقده فكانت حقا فاعتقدها في الدنيا و انحلت العقدة، أي عقيدته في التعين و التقيد عند كشف الغطاء في الآخر، فزال الاعتقاد و صار علما بالمشاهدة و هذا باب الترقي بعد الموت لمن كان صحيح الاعتقاد ذا بصيرة، فلا يرجع كليل النظر عند احتداد البصر، و قد يبدو للبعض بعد التجلي في صورة معتقده تجلى آخر لا من صورة معتقده بسبب اختلاف التجلي في الصور، لأن التجلي لا يتكرر فيعرفه لرؤيته أولا فيصدق عليه في الهوية أيضا كما صدق في الحكم- وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ- في الهوية قبل كشف الغطاء، و هذا أيضا من الترقي بعد الموت، و أما قوله- وَ من كانَ في هذِهِ أَعْمى فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا- و قوله عليه الصلاة و السلام «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» مما يدل على عدم الترقي بعد الموت، فهو للمحجوبين الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله من أهل الكفر و الشرك، و أما أهل
__________________________________________________
الغطاء إلا بحسب الاعتقاد (فإن بعض العباد إلى قوله انحلت العقدة) و هي عقدة الاعتقاد، و هي الحجاب على القلب المانع من الانكشاف (فزال الاعتقاد) لزوال العقد (و عاد) علم الاعتقاد (علما بالمشاهدة) فلم يهد لهم من الله ما لم يكونوا، بل كل ما بدا لهم من الله من هوية الحق في الصورة، فهو مما يحتسبونه منه فيعتقدونه قبل كشف الغطاء، فما هو المراد بقوله- وَ بَدا لَهُمْ من الله- الآية (و بعد احتداد البصر) أي و بعد ظهور الحق للعباد بظهور تام (لا يرجع كليل النظر) أي لا يحصل الخفاء التام، ردا لقول أهل التناسخ إن للعبد بعد الموت يأتى إلى الدنيا مرارا، فيكل نظره عن الحق بعد احتداده لوقوع الحق في الجفاء التام. فهم قسمان: قسم قالوا بالتناسخ في حق الكمل لزعمهم أنهم يأتون التكميل الناقصين، و قسم في جميع الأفراد الإنسانية، و كلاهما مردود. و قد يفهم من هذا المقام أن هذه الآية لا تصدق على أهل السنة، فإنهم و إن أثبتوا للحق الصفات الثبوتية و السلبية في اعتقادهم، لكنهم لم يحصروه بهذا الاعتقاد، بل قالوا بعد تقييد الحق بهذا الاعتقاد: الحق منزه عن تصورات أذهاننا و تصديقات قلوبنا، فهذا صورة للتعليم فيعم اعتقادهم في الدنيا جميع صور التجليات و إن لم يشعروا بذلك (فلا يصدق عليهم في الهوية- وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ-) بخلاف المعتزلة و غيرهم، فإنهم لحصرهم الهوية في اعتقادهم يصدق عليهم في الهوية (وَ بَدا لَهُمْ من الله-) فظهر من هذا الكلام ترقى العباد بالموت مؤمنا كان أو غير مؤمن، لكنه لا ينفع ترقى من لا يقلد الأنبياء، و يدل على دلالته كلامه السابق على الترقي قوله: و قد ذكرنا صورة الترقي اه بالى.