شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٨٢
كأنك تراه» في صورة المعتقد الذي عندك، و قوله: و الله في قبلة المصلى كذلك، فذلك الحضور الخيالى هو شهيد، فإذا قوى الاستحضار الخيالى و غلب الحال صار الشهود الخيالى مشهودا بالبصيرة، فإذا صار أقوى و أكمل كان مشهودا بأحدية جمع البصر و البصيرة، و النهاية مقام الولاية و هو شهود الحق ذاته بذاته فيكون الشاهد عين المشهود (و من قلد صاحب نظر فكرى و تقيد به فليس هو الذي ألقى السمع، فإن هذا الذي ألقى السمع لا بد أن يكون شهيدا لما ذكرناه، و متى لم يكن شهيدا لما ذكرناه فما هو المراد بهذه الآية- فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم- إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من الَّذِينَ اتَّبَعُوا- و الرسل لا يتبرءون عن أتباعهم الذين اتبعوهم) أي المقلد لصاحب النظر العقلي ليس الذي ألقى السمع، لأن النظر العقلي يؤدى إلى تقييد حاصر للأمن فيما هو على خلاف الواقع، و صاحبه مقيد للحق فيما ليس بمشهود، فإذا قلده مقلد و ألقى السمع إليه لم يبلغ من التقليد و إلقاء السمع إلى غايته من الشهود، لأن المشهود الموجود غير منحصر بل مطلق هو عين كل معين فلم يك شهيدا لحضرة شهود نبيه، و لا يعتقد الشهود لأن الفكر لا يقتضيه، و لهذا نهى النبي عليه الصلاة و السلام عن الفكر في الله فليس هذا المقلد بمراد في الآية، و أما المؤمن المعتقد للشهود فإنه يطلب الشهود أولا من طريق التخيل و التمثل، ثم بالرؤية و التحقيق حتى يبلغ مقام الولاية في التوحيد، و لهذا لا يتبرأ من أتباعهم لأنه دعاهم إلى الحق على بصيرة، و يتبرأ المقيد عن أتباعهم لأنه دعاهم إلى خلاف الواقع من التقيد.
(فحقق يا ولى ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبية، و أما اختصاصها بشعيب، أي شعبها لا تنحصر لأن كل اعتقاد شعبة فهي شعب كلها، أعنى الاعتقادات) هذا وجه للاختصاص يناسب شعيبا باعتبار اسمه، و المذكور في أول الفص يناسب باعتبار طريقته (فإذا انكشف الغطاء انكشف لكل أحد بحسب معتقده، و قد ينكشف بخلاف معتقده في الحكم، و هو قوله- وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ- فأكثرها في الحكم كالمعتزلى يعتقد في الله نفوذ الوعيد في العاصي إذا مات على غير توبة، فإذا مات و كان مرحوما عند الله قد سبقت له عناية بأنه لا يعاقب وجد الله غفورا رحيما، فبدا له من الله ما لم يكن يحتسب) هذا ظاهر مما مر من التجلي في صورة المعتقدات، و أما التجلي في صور غير المعتقدات،
__________________________________________________
(و تقيد به) أي بالنظر الفكرى في تحصيل المجهولات، و قد أدرج في هذا القسم المعتزلي و من قلده، فإنهم ممن قلدوا الفلاسفة في التمسك في تأويلات بعض الإخبارات الإلهية اه بالى.
يعنى أن المتبوعين إما الرسل و إما أصحاب النظر، أما الرسل فهم لا يتبرءون عن أتباعهم بل يشفعون في عصاتهم فلا يصح هذا السر في حقهم، فتعينت الآية لأصحاب النظر كالفلاسفة و أمثالهم، لظهور صورها لهم في الآخرة تبرءوا عن مقلديهم، و لما كانت هذه المسألة من أعظم مسائل العلوم الإلهية و أركانها، أوصى الطالب بتحقيقه، فقال: فحقق يا ولى، أي يا صاحبى اه بالى.
(فأكثرها) أي فأكثر اختلافات الاعتقاد حاصلة (في الحكم) و أما الاختلافات في الهوية فلا ينكشف