شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٨
يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل) لأن الخليفة ظاهر بصورة مستخلفه في حفظ خزائنه و الله يحفظ صور خلقه في العالم بصورته فإنها طلسم الحفظ من حيث مظهريته لأسمائه و واسطة تدبيره بظهور تأثيرات أسمائه فيها (ألا تراه إذا زال و فك من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها و خرج ما كان فيها و التحق بعضه ببعض و انتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما ابديا سرمديا) أي زال لأن النشأة العنصرية الدنيوية لا تحتمل دوام الحفظ فلم يبق فيها ما اختزنه من العلوم و
المعارف الكلية و الجزئية و الأخلاق الإلهية و فارقتها نشأته الروحانية أي فطرته الأولى بخراب دنياه أي نشأته الصورية و التحق الجزء الروحاني بالروحانيات في الحضرات أي البرازخ العلوية و ما فوقها و الجسماني كل جزء بكله من الجسمانيات، و انتقل العمارة إلى الآخرة أي العوالم الروحانية أو النشأة الثانية في القيامة.
قوله (فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية، فحازت رتبة الإحاطة و الجمع بهذا الوجود و به قامت الحجة للَّه تعالى على الملائكة فتحفظ، فقد وعظك الله بغيرك و انظر من أين أتى على من أتى عليه) أي حج من حج و بكت من بكت ظاهر و أصل أتى عليه أي أهلكه، و يستعمل في كل مكروه.
قوله (فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف احد من الحق إلا ما تعطيه ذاته، و ليس للملائكة جمعية آدم و لا وقفت مع الأسماء الإلهية التي تخصها و سبحت الحق بها و قدسته، و ما علمت أن للَّه اسماء ما وصل علمها إليها فما سبحت الحق بها و لا قدسته فغلب عليها
__________________________________________________
(و التحق بعضه ببعض) أي لا يمازجان لعدم الامتزاج الاعتدالى بين أجزائها (و انتقل الأمر) الإلهي (إلى الآخرة) بنقل الخليفة إليها فيكون كل ما كان موجودا بالوجود وجودا بالوجود الأخروى (فظهر جميع ما في الصور الإلهية) بحيث يكون كل فرد فرد من أفراد العالم مظهرا لاسم من أسماء الله و هي العالم بأسره من الأسماء و هي سره كما قال و يظهر إليه سره بيان لما (في هذه النشأة إلخ) فشاهد عينه من حيث أسماؤه الحسنى في هذه النشأة على ما اقتضاه ذاته و هو رؤية ذاته من حيث أسماؤه في كون جامع فهذه هي الكلمة الآدمية بالى.
(فإنه ما يعرف أحد) أي لا يعرف أحد الحق إلا بحسب معرفته بنفسه و لا يعيده إلا بحسب علمه (و) الحال (أن ليس للملائكة جمعية آدم) حتى تحصل فيها ما يحصل فيه من العبادة الذاتية و يستغنى بوجودها عن وجود آدم. قوله (و ما علمت أن للَّه أسماء أخر) و تلك الأسماء التي ما وصل علم الملائكة إليها هي التي وصل علمها إليها على معنى ما وصل علم الملائكة إلى كلها و إلا فإن جميع أسماء الله تعالى ظهرت بظهور الملائكة و سبحت بها ربها و قدسته و لم يتعطل اسم من الأسماء و محال ذلك و لكن من قبيل مقابلة الجمع بالجمع و انقسام الآحاد على الآحاد، فكل ملك يسبح باسم إلهى خاص لا يعرف التسبيح بغيره مع أن كل اسم جامع لكل اسم كما مر و لكن جمعا خفيا لا يتنبه له إلا الكامل دون القاصر، فكل ملك يعلم اسما واحدا إليها فهو محبوب به عن غيره من الأسماء حتى إن الاسم الغفور و العفو و التواب و نحوها كانت الملائكة قبل آدم أيضا لأن القصور في التسبيح ببعض الأسماء دون بعض غير لائق باللّه فهو معصية مغفورة معفو عنها و صاحبها معترف بقصوره عن إدراك حقيقة التسبيح فهو تائب و إن لم تشعر الملائكة بذلك بالى.