شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٧٧
الغلبة الأحدية الجمعية على قلبه، ففي أي صورة يتجلى له الحق كان على صورته كما في التمثيل بمحل الخاتم، و أما ما تشير إليه الطائفة من تجلى الحق على قدر استعداد القلب فهو حال من غلبت على قلبه أحكام الكثرة و تقيد القلب بالهيئات المخصوصة، فيكون التجلي الأحدى فيه متشكلا بأشكال الأقدار و الصور و الهيئات الغالبة عليه فالعارف يظهر للحق على قدر صورته، و غير العارف يظهر له الحق على قدر صورته.
(و تحرير هذه المسألة أن للَّه تجليين: تجلى غيب، و تجلى شهادة فمن تجلى الغيب يعطى الاستعداد الذي يكون عليه القلب، و هو التجلي الذاتي الذي الغيب حقيقته، و هو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه هو، فلا يزال هو له دائما أبدا، فإذا حصل له: أعنى للقلب هذا الاستعداد تجلى له التجلي الشهودى في الشهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلى له كما ذكرناه، فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله- أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى- ثم رفع الحجاب بينه و بين عبده فرآه في صورة معتقده في الحق فهو عين اعتقاده، فلا يشهد القلب و لا العين أبدا إلا صورة معتقده في الحق) هذا التحرير تحقيق القولين و إثبات أن كلا منهما صواب باعتبار التجليين، فإن التجلي الذاتي الغيبى يعطى الاستعداد الأزلى بظهور الذات في عالم الغيب بصور الأعيان و ما عليه كل واحد من الأعيان من أحوالها، و هو الذي يكون عليه القلب حال الظهور في عالم الشهادة و الغيب المطلق و الحقيقة المطلقة و الهوية المطلقة التي يعبر بها الحق عن نفسه هو هذه الذات المتجلى في صور الأعيان، و لكل عين هوية مخصوصة هو بها هو و لا يزال الحق بهذا الاعتبار هو أبدا، فإذا ظهرت الأعيان في عالم الشهادة و حصل للقلب هذا الاستعداد الفطري الذي فطر عليه، تجلى له في عالم الشهادة التجلي الشهودى فرآه بصورة استعداده، و هو قول طائفة من الصوفية:
إن الحق يتجلى على قدر استعداد العبد و هو الظهور بصورة المتجلى له، و هذا الاستعداد هو المراد بالخلق في قوله- أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ- و أما الهداية في قوله- ثُمَّ هَدى- فهو رفع الحجاب بينه و بين عبده حتى رآه في صورة معتقده فالحق عنده عين اعتقاده إذ لا يرى القلب و لا العين إلا صورة معتقده في الحق، فما رأى إلا نفسه في مرآة الحق، فمن هذه الأعيان من هو على الاستعداد الكامل، فاستعداده يقتضي أن يرى الحق في جميع
__________________________________________________
حاصل هذا الكلام: أن التجلي الأول من الاسم الباطن و الفيض الأقدس الذي يكون المتجلى له على حسب التجلي، و التجلي الثاني من الاسم الظاهر و الفيض المقدس الذي يكون التجلي على حسب المتجلى له، و هو ما أشارت إليه الطائفة، فقوله- أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ- أي استعداده- ثُمَّ هَدى- تجلى له بالتجلى الشهودى (ثم رفع الحجاب) بسبب التجلي الشهودى (بينه و بين عبده فرآه في صورة معتقده، فهو) أي الحق المرئي له (عين اعتقاده) إذ هو المتجلى له بصورة اعتقاده، فما رآه إلا بها (فلا يشهد إلا صورة معتقده في) مرآة (الحق) فلا يشهد الحق بل يشهد الحق الاعتقادى و هو صورة نفسه في الحقيقة اه بالى.