شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٧
كلها، و جميع مراتب الوجود العلوية و السفلية بأحدية الجمع التي ناسب لها حقيقة الحقائق، و هي الجمعية المذكورة إذ لا شيء في النشأتين إلا و هو موجود فيه أي لا مرتبة في الوجود إلا و شيء منها فيه فناسب وجود الكل مؤانسا به، فسمى إنسانا لأنه عالم صغير، و العالم يسمى إنسانا كبيرا، أو باعتبار آخر (و هو) أنه (للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر و هو المعبر عنه بالبصر) لأن الله تعالى نظر به إلى الخلق فرحمهم (فلهذا سمى إنسانا) أيضا. و المعنى أنه المقصود من خلق العالم لأنه الحامل للسر الإلهي و أمانته أي معرفته و المقصود من الكل معرفته، كما قال «فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق» فلو لا محبة المعرفة لم يخلق الخلق فلا يعرفه من العالم إلا الإنسان فلو لا الإنسان العارف باللّه لم يخلق العالم فالعالم تابع لوجوده (فإنه به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم) أي فهو الذي نظر به إلى الخلق الموقوف هو عليهم فرحمهم بالإيجاد (فهو الإنسان الحادث) بجسده (الأزلى) بروحه (و النشء الدائم الأبدى) بحقيقته الجامعة بجسمانيته و روحانيته لأنه إذا انتقل من هذا العالم إلى الآخرة يعمر الآخرة في النشأة الثانية (و الكلمة الفاصلة) أي المميزة للحقائق (الجامعة) لعموم نشأته كما ذكر (فتم العالم بوجوده) لمظهريته أسماءه كلها.
قوله (فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم و هو محل النقش و العلامة التي بها يختم الملك على خزائنه) معلوم من المقدمة الثالثة (و سماه خليفة لأجل هذا) أي لأن نقش اسمه الأعظم و هو الذات مع الأسماء كلها منقوش في قلبه، الذي هو فص الخاتم فيحفظ به خزانة العالم بجميع ما فيه على النظام المعلوم و الفسق المضبوط (لأنه الحافظ خلقه كما يحفظ بالختم الخزائن) أي لأن الإنسان الكامل هو الحافظ خلق الله بالحكمة الأحدية و الواحدية الأسمائية البالغة التي هي نقش قلبه و هي العدالة أعنى صورة الواحدة في عالم الكثرة الذي هو خزانة القوابل و الآلاء كلها كما يحفظ الختم الخزائن (فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه) لأن الختم صورة الجمعية الإلهية و العلامة التي هي نقش الفص هو الاسم الأعظم فلا يجسر أحد من خصوصيات طبائع العالم التي هي الأسماء الفاصلة على فتحها إلا بإذن خاص من الله على مقتضى حكمته (فاستخلفه في حفظ العالم) لأنه مظهر الأحق الأعظم و الله باطنه فيحفظ بإذنه و ما جعل في يده من المفاتيح الأسمائية صورة العالم (فلا
__________________________________________________
(و هو) بيان لوجه تسمية أخرى (الحق بمنزلة إنسان العين) بفتح الهمزة، فالمقصود الأصلي بايجاد الإنسان الكامل النظر به و هو النظر بالغير فان النظر بالذات لا كالنظر بالواسطة إلى خلقه. (فهو الإنسان) لكون نظر الحق به إلى خلقه (الحادث) بالحدوث الذاتي لعدم اقتضاء ذاته الوجود (الأزلى) لكونه غير مسبوق بالعدم الزمانى (و النشء الدائم الأبدى) فلا انتهاء في المستقبل كما لا ابتداء له في الماضي هذا بحسب النشأة الروحانية (و الكلمة) لكونه مركبا من الحروف العاليات بالنشأة الروحانية (الفاصلة) الحافظة من التلاشى بين حضرتى الوجوب و الإمكان (الجامعة) بجميع الحقائق الإلهية و الكونية (فتم العالم بوجوده) لكونه آخر العمل.