شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٥٤
في العمل بمقتضى العلم المستفاد من الكتب، ورثوا هذا الفن الخاص من العلوم الذوقية، أي علم أحكام القوابل فأنتج لهم شهود من أخذ النواصي بيده- وَ هُوَ عَلى صِراط
مُسْتَقِيمٍ- يوصل من أخذ نواصيهم إلى غايتهم- وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ- و هم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم بها فهو يأخذ بنواصيهم و الريح تسوقهم، و هو عين الأهواء التي كانوا عليها إلى جهنم، و هي البعد الذي كانوا يتوهمونه) فيسوق المجرمين الجرمانيين أهل الإجرام و الآثام بحكم قائدهم الآخذ بنواصيهم، فهو القائد و السائق إلى المقام الذي استحقوه بسعيهم على أرجلهم، ريح الدبور المأمورة بسوقهم، و هي أهواؤهم التي تسوقهم من أدبارهم، أي من جهة خلفهم و لهذا سميت دبورا، و هي جهة العالم الهيولاني إلى هوة جهنم البعد الذي يتوهمونه و هم يهوون بها، بأهوائهم الناشئة من استعدادات أعياناتهم، حتى أهلكهم السائق و القائد عن نفوسهم (فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنم في حقهم ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق، لأنهم مجرمون) إنما حصلوا في عين القرب على الحقيقة لأن الحق الذي هو قائدهم معهم، و إنما توهموا لبعد لأنهم كانوا يسعون إلى كمالات وهمية فانية تخيلوها فما وصلوا إلا إليها، فزال البعد في حقهم فزال مسمى جهنم، لأنهم بلغوا الغايات التي كانوا يطلبونها باستعداداتهم، و ذلك نعيمهم من جهة استحقاقهم لأن إجرامهم هو الذي اقتضى وصولهم إلى أسفل مراتب الوجود من عالم الأجرام (فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنة و إنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، و كانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم، لأن نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة فما مشوا بنفوسهم، و إنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب- وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ- أي إنما وجدوه بما اقتضاه أعيانهم من أعمالهم التي كانوا يسعون فيها و بمقتضى استعداداتهم الذاتية تعلقت المشيئة الإلهية بما كانوا يعملون في أعمالهم على صراط
__________________________________________________
(ساقهم إليه) أي إلى ذلك المقام و هو المسمى بجهنم الذي استحقوه بسلوكهم في الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى هذا المقام الذي يحصل لهم فيه هذا الشهود (بريح الدبور) و هي الأهواء التي فعلوا من مقتضيات أنفسهم، و سمى بها لأنه يأتى من جهة الخلفية جهة الخلف. و إهلاكهم تعذيبهم بهذه الريح في صورة النار فهلكوا عن أنفسهم، فشاهدوا أن الحق هو الآخذ بنواصيهم و السائق إلى أن وصلوا إلى هذا النوع من العلوم الذوقية، فإنهم و إن عذبوا إلى الأبد لكنهم يتحققون بهذا الذوق اه بالى.
(فزال البعد) المتوهم لعلمهم أن الله معهم في كل موطن (فزال مسمى جهنم في حقهم) من حيث أنه بعد لا من حيث أنه عذاب لذلك قال (ففازوا بنعيم القرب) في جهنم و لم يقل بنعيم مطلقا، فإن الفوز بنعيم القرب و هو مشاهدة الحق لا يوجب رفع العذاب في حق المخلدين، كما تألم بعض المقربين في الدنيا (لأنهم مجرمون) أي الكاسبون الصفات الظلمانية الحاجبة لشهود الحق، فهذا الشهود أجر المجرمين فاستحقوا بسبب جرمهم هذا المقام اه بالى.