شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٥٣
في المعنى صفة جارية على غير ما هي له، فكان حق الضمير الذي هو فيها أن يفصل لأنه ضمير العلوم لكنه تسامح فيها (فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة و الجوارح مختلفة، و لكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها من عين واحدة تختلف باختلاف الجوارح) يعنى: أن الهوية الواحدة هي عين الجوارح المختلفة لاختلاف المحال في عين العبد الواحد، و العلم الفائض من الهوية الواحدة حقيقة واحدة ظهرت في تلك الجوارح بسبب اختلاف قابليتها علوما مختلفة يختص كل جارحة منها علم من علوم الأذواق مخالف لعلوم الباقي بحكم اختلاف المحال، و لهذا قيل: من فقد حسا فقد فقد علما (كالماء حقيقة واحدة يختلف في الطعم باختلاف البقاع، فمنه عذب فرات و منه ملح أجاج و هو ماء في جميع الأحوال لا يتغير عن حقيقته، و إن اختلفت طعومه) شبه العلم الحاصل لأهل الله من الهوية الإلهية بالماء، فإن العلم حياة الأرواح كما أن الماء حياة الحيوان فاختلاف العلم مع كونه حقيقة واحدة باختلاف الجوارح كاختلاف الماء في الطعوم باختلاف البقاع مع كونه حقيقة واحدة، فمن الماء عذب فرات كعلم الموحد العارف باللّه، و منه ملح أجاج كعلم الجاهل المحجوب بالسوى و الغير، و نظيره قوله تعالى- يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الْأُكُلِ-.
(و هذه الحكمة من علم الأرجل، و هو قوله تعالى في الآكل لمن أقام كتبه- وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ- فإن الطريق الذي هو الصراط المستقيم هو السلوك عليه و المشي فيه، و السعي لا يكون إلا بالأرجل، فلا ينتج هذا الشهود في أخذ النواصي بيد من هو على صراط مستقيم، إلا هذا الفن الخاص من علوم الأذواق) قال تعالى- وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ- إقامة الكتب الإلهية: القيام بحقها بتدبر معانيها و فهمها و كشف حقائقها و دركها و العمل بها و توفية حقوق ظهرها و بطنها و مطلعاتها لرزقوا العلوم الإلهية الذوقية و المعارف القدسية من فوقهم، و الأسرار الطبيعية التي أودعت القوابل السفلية من تحت أرجلهم، فهذه الحكمة من علم الأرجل: أي من أسرار القوابل، فإن الله مع القوابل كما هو مع الأسماء الفواعل، و لهذا قال: لو دلى أحدكم دلوه لهبط على الله، فالصراط الممدود عليها إذا سلك عليه بالأرجل و سعى السالكون عليه بالأقدام
__________________________________________________
الصراط المستقيم: يعنى ما يفعل هذا العبد فعلا إلا و قد رضى الله عن ذلك الفعل (فذكر أن هويته هي عين الجوارح) من وجه و هو وجه الأحدية مع أنه غيره من حيث الكثرة، فقد نبه عليه بإرجاع الضمير إلى العبد، فكان هذا الكلام جامعا بين التنزيه و التشبيه التي هي عين العبد من وجه و هو وجه الأحدية، لأن العبد هو مجموع الأجزاء الاجتماعى، و الجزء لا يقال فيه غير الكل، و أما بحسب التعين فيمتاز كل واحد منها عن الآخر و عن الكل (فالهوية) أي هوية الحق (واحدة و الجوارح) أي جوارح العبد (مختلفة، و لكل جارحه علم من علوم الأذواق).