شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٤٦
في الوجود الواحد الحقيقي الذي لا كثرة فيه على الحقيقة بل بالحيثيات و الاعتبارات العقلية فيسميها أسماء الحق، و باعتبار الظل الممدود و المتخيل المذكور العالم، و باعتبار تجليات الواحد الحقيقي في صورة أسمائه كالتجلى باسم الظاهر بعد الباطن أسماء العالم كالحادث و المحدث و المتغير، و ينتقل منها إلى أسماء أخر يضعها الله كالمحدث و المغير و المدبر، و هكذا إلى غير النهاية، و كلها من قبيل الحق المتخيل (و من وقف مع الأحدية كان مع الحق من حيث ذاته الغنية عن العالمين، لا من حيث ألوهيته و صورته) لأنه لا يلتفت إلى الكثرة المتعللة لأنه يراها شئون الذات (و إذا كانت غنية عن العالمين فهو) أي فغناه عن العالمين (عين غنائها عن نسبة الأسماء إليها لأن الأسماء لها، كما تدل عليها تدل على مسميات أخر يحقق ذلك أثرها) لأن كل اسم من أسمائه مقتض لنسبة أو مصدر لفعل و أثر فلا غناء له عن الغير في العقل أو في الخارج، و قد بين ذلك في قوله: (- قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ- من حيث عينه- الله الصَّمَدُ- من حيث استنادنا إليه- لَمْ يَلِدْ- من حيث هويته و نحن- وَ لَمْ يُولَدْ- كذلك- وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ- كذلك) لأنه الكل من حيث الإحاطة فلا غير و لا سوى له فما له كفوا أحد (و هذا نعته، فأفرد ذاته بقوله- الله أَحَدٌ- فظهرت الكثرة بنعوته المعلومة عندنا، فنحن نلد و نولد و نحن نستند إليه و نحن أكفاء بعضنا لبعض، و هذا الواحد منزه عن هذه النعوت، فهو غنى عنها كما هو غنى عنا) أي الأحدية نعته بحسب ذاته و سائر النعوت مقتضية الكثرة، و الواحد بالذات تعالى و تنزه عن الكثرة، فهو منزه عن هذه النعوت فسلبت عنه لغناه عن الكثرة و ما يتعلق به (و ما للحق نسب إلا هذه السورة سورة الإخلاص، و في ذلك نزلت) لأنها مختصة بسلب الكثرة و أحكامها و نعوتها عن ذاته فإن الأحدية نفى الكثرة و ذلك معنى الإخلاص، قال أمير المؤمنين على كرم الله وجهه:
__________________________________________________
قوله (يحقق ذلك المسمى أثرها) أي أثر الذات أو أثر الأسماء الذي هو العالم و هو عين الأسماء من وجه، فإذا استغنى من حيث أحديته عن العالم فقد استغنى عن نسبة الأسماء إليه من تلك الحيثية، و قوله، ذلك فاعل يحقق، و أثرها: مفعوله، فكانت الذات الإلهية من حيث الأحدية الذاتية غنية عن الأسماء، و غير غنية من حيث تحقق أثرها إذ لا يتحقق أثر الذات إلا بالأسماء، فكانت الأسماء من وجه عينه و من وجه غيره، فأحديته تعالى من حيث عينه لا من حيث أسماؤه و صفاته، يدل على ذلك قوله تعالى- قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ- اه إذ الصمد هو المحتاج إليه لا يتحقق بدون المحتاج (- لَمْ يَلِدْ- من حيث هويته و نحن) أي و من حيث نحن و لا يجوز أن يكون معناه و نحن نلد للزوم التكرار، بقوله: فنحن نلد، مع أن المراد بيان صفاته تعالى، فلا يناسب ذكر صفاته متماثلا لذلك بدل عينه قوله فهذا نعته اه (بنعوته المعلومة عندنا) كالعلم و الحياة و القدرة اه- وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ- كذلك، أي من حيث هويته، و المراد بيان تنزيه الحق من هذه الصفات الثلاثة و هو من حيث الهوية الأزلية
الدائمة فيوجب دوام ما بها فذاته تعالى دائمة، و ما تقتضيه من الصفات السلبية دائمة، فلا يتوهم من قوله كذلك أنه إذا اعتبر خلاف ذلك جاز إثبات تلك الصفة له و يدل عليه قوله في النتيجة فنحن نلد و لم يقل فهو يلد، فعلم أن المراد سلب هذه الصفات عن الحق من جميع الوجوه، فما كان السبب لهذا السلب الكلى إلا كون الحق كذلك، فلم يزل عنه كونه كذلك، فيمتنع إثباتها بوجه من الوجوه اه.