شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٤٠
الأجسام النيرة يعطى فيها البعد في الحس صغرا، فهذا تأثير آخر للبعد فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم و هي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر و أكثر كميات، كما يعلم بالدليل أن الشمس مثل الأرض في الجرم مائة و ستة و ستين و ربع و ثمن مرة، و هي في الحس على قدر جرم الترس مثلا فهو أثر البعد أيضا) و هذا بيان و مثال، لأن المعلوم من الحق تعالى سبب علمنا بوجود العالم على قدر المعلوم من الشخص عند العلم بظله، فإن وجود العالم لامتداده على الأعيان الثابتة التي هي في غاية البعد لانعدامها و تقيده بها وقع في حد البعد من الوجود المطلق كغاية بعد المقيد من المطلق، فصار صغيرا في الرؤية كما صار مظلما (فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، و يجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل) أي فما يعلم الحق من وجود العالم إلا قدر ما يعلم الذوات من الظلال، أو فما يعلم من حقيقة العالم و غيوب أعيانه من حقائق الماهيات، إلا قدر ما ظهر عنها في نور الوجود من آثارها و أشكالها و صورها و هيئاتها و خصوصياتها الظاهرة بالوجود، و ما هي إلا ضلالها لا أعيانها و حقائقها الثابتة في عالم الغيب، و إذا لم تعلم من وجود الظل حقيقته فبالحرى أن لا يعلم منه حقيقة ذات ذى الظل، و نجهل من الحق عند علمنا بوجود العالم الذي هو ظله على قدر ما نجهل من الشخص الذي عنه ذلك الظل المعلوم لنا (فمن حيث هو ظل له يعلم، و من حيث ما يجهل ما في ذات الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق) أي فمن حيث أنه ذات لذي الظل يعلم، و هو كونه إله العالم و ربه، و من حيث صورته الحقيقية المطلقة الذاتية اللاتعينية لا يعلم، إذ لو علمت صورته المطلقة لكانت محاطا بها و تعينت و انحصرت فلم تكن مطلقة بل مقيدة، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
(فلذلك نقول: إن الحق معلوم لنا من وجه و مجهول لنا من وجه) أي نعلمه مجملا من جهة الظهور في المقيدات، لا من جهة الإطلاق و اللاتناهى في التجليات- أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ- أي عين باسم النور في صورة العالم و أعيانه- وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً- أي يكون فيه بالقوة يقول) أي الله (ما كان الحق ليتجلى للممكنات حتى يظهر
__________________________________________________
البعد علة للخفاء لزم أن يمتد الظل على الأعيان في صورة الغيب المجهول، فإذا امتد في صورة الغيب المجهول (فما يعلم من العالم) و هو ظل الله (إلا قدر ما يعلم من الظلال) أي من ظلال العالم، و ما يجهل من العالم إلا قدر ما يجهل من الظلال، و ما يعلم من الحق إلا قدر ما يعلم من العالم (و يجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه) أي عن ذلك الشخص كان ذلك الظل، و هو ظل العالم، و إذا كان الأمر كذلك فمن حيث اه بالى.
و يدل على أن العالم ظل إلهى ممتد على الأعيان قوله تعالى- أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ- أي كيف بسط الوجود الخارجي و هو العالم- وَ لَوْ شاءَ- عدم مده- لَجَعَلَهُ- أي ذلك الظل- ساكِناً- أي يكون فيه) أي في وجود الحق (بالقوة) كظل الشخص في وجوده إذا لم يكن ثمة من يظهر فيه (يقول الله ما كان الحق ليتجلى الممكنات) على طريقة- ما كانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ- (حتى يظهر