شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣٥
فكل ما يظهر في الحس صورة لمعنى غيبى، و وجه من وجوه الحق برزه، و العلم بذلك هو الكشف المعنوي، فمن أوتى ذلك في كل ما يرى و يسمع و يعقل فقد أوتى خيرا كثيرا، و قد أشار إليه عليه الصلاة و السلام في قوله «الناس نيام» فكل ما يجرى عليهم فهو صورة لمعنى مما عند الله و مثال لحقيقة من الحقائق الغيبية، و كان عليه الصلاة و السلام يشهد الحق في كل ما يرى و يدرك بل لا يغيب عن شهوده، كما قال عليه الصلاة و السلام «اللهم إنى أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم» فصرح بشهود وجهه تعالى، و أنه فان في شهوده فلا لذة له لفنائه و حيرته فيه، فسأل لذة الشهود بالبقاء بعد الفناء، و الفرق بعد الجمع لوجدان لذة الشهود و هي مرتبة أعلى من الشهود، و الفناء بالشهود هو الموت الحقيقي المشار إليه بالهلاك في قوله- كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- و البقاء بعد الفناء هو الانتباه الحقيقي، فكل ما يرى إلى الرسول في حال يقظته فهو من قبيل ما يرى في النوم و إن اختلفت الأحوال، فإن هذا في الحس و ذلك في الخيال، و لكنها من حيث إن كلا منهما مثال و صورة لمعنى حقيقى سواه، و في بعض النسخ: و كل ما يرى في حال النوم.
و المراد به إن صحت الرواية النوم المشار إليه بقوله «نيام» و المرئي في الحس فيه كالمرئى بالخيال (فمضى قولها ستة أشهر، بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة إنما هو منام في منام) قولها بمعنى مقولها أي المدة التي هي ستة أشهر بدليل عطف قوله: بل عمره كله في الدنيا عليه، و هو كالحلف بمعنى المحلوف عليه في قوله عليه الصلاة و السلام «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير و كفر عن يمينك» أي فمضى زمان الرؤيا و هو ستة أشهر بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة، أي بالعبور عما رأى في الخيال أو الحس من الصور إلى معانيها، أي الحق المتجلى في تلك الصور المعرف له حقائق أسمائه إنما هو، أي ما قالت من المدة، منام في منام، أي الناس في الدنيا في ضرب مثال و كشف صورى، يجعل الله تعريفا لهم بأفعالهم و أحوالهم و أقوالهم تجلياته في كل ما يجرى عليهم و هم عنها غافلون، كقوله تعالى- وَ كَأَيِّنْ من آيَةٍ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ- (و كل ما ورد من هذا القبيل فهو المسمى عالم الخيال، و لهذا يعبر: أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها) أي تفسير لهذا القبيل، و المعنى كل ما ورد
__________________________________________________
و إن اختلفت الأحوال، أي أحوال النوم، بأن كان حال النوم المزاجي الحقيقي أو حال النوم الحكمي اه (فمضى) عمره عليه الصلاة و السلام في الوحى.
(قولها) أي في قول عائشة: و مضى بعد ذلك عمره في الوحى بمجيء الملك (بل) مضى (عمره كله في الدنيا) في الوحى (بهذه المثابة) أي بمثابة ستة أشهر في كون الوحى في المنام، فإذا فوحيه كله (إنما هو منام في منام) أو فعمره كله في الوحى كله منام في منام الأول هو حضرة الخيال و الثاني؟؟؟ قوله عليه الصلاة و السلام «الناس نيام» و هو اليقظة اه بالى.
(و كل ما ورد من هذا القبيل) أي من قبيل المنام في المنام فهو المسمى عالم الخيال، فكان الوحى كلها سواء كان بالرؤيا أو بالملك، و سواء سمى نائما أو لم يسم من عالم الخيال اه (هذا) أي إدراك هذه الأشياء.