شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣٤
و في نسخة: انبساطها على عالم الخيال، و لا فرق في المعنى، لأن هذه الحكمة نورية تنبسط على حضرة الخيال، فيتسع بابها إلى عالم المثال، فيطلع صاحبه على ما في الحضرة المثالية من المعنى الذي هذه الصورة الخيالية مثاله، و ذلك المعنى هو مراد الله من صورة الرؤيا، و هذا الانبساط أول مبادئ الوحى إلى الأنبياء الذين هم أهل العناية الإلهية، و لهذا كانت المنامات و الوحى من مشكاة واحدة.
(تقول عائشة رضى الله عنها: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، تقول لا خفاء بها. و إلى هذا بلغ علمها لا غير، و كانت المدة له في ذلك ستة أشهر ثم جاءه الملك، و ما علمت أن رسول الله عليه الصلاة و السلام قد قال «إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» و كل ما يرى في حال يقظته فهو من ذلك القبيل، و إن اختلفت الأحوال) أي كان مبلغ علم عائشة رضى الله عنها أن مبدأ كشف النبي الرؤيا الصادقة، و منتهاه ظهور الملك له، و ما علمت أنه عليه الصلاة و السلام كان عالما بأن كل أمر ظهر من عالم الغيب إلى الشهادة، سواء كان ظهوره في الحس أو في الخيال أو في المثال، فهو وحى و تعريف و إعلام له من الله بما أراد أن يكوّنه، و أنه مثال و صورة لمعنى و حقيقة تعلق الإرادة الإلهية بتعريفه و تعليمه إياه، و ذلك أن العوالم عند أهل التحقيق خمسة، كلها حضرات للحق في بروزه:
حضرة الذات، و حضرة الصفات و الأسماء و هي حضرة الألوهية، و حضرة الأفعال و هي حضرة الربوبية، ثم حضرة المثال و الخيال، ثم حضرة الحس و المشاهدة، و إلا نزل منها مثال و صورة للأعلى فالأعلى عالم الغيب المطلق، أي غيب الغيوب و إلا نزل عالم الشهادة فهو آخر الحضرات، فكل ما فيه مثال لما في عالم المثال، و كل ما في عالم المثال صورة شأن من شئون الربوبية، و كل ما في الحضرة الربوبية من الشؤون فهو مقتضى اسم من أسماء الله و صورة صفة من صفات الله، و كل صفة وجه للذات تبرز بها في كون من الأكون
__________________________________________________
المرئية في النوم، ثم يرقون إلى أن يروا الملك في المثال المطلق أو المقيد في غير حال النوم، لكن مع فتور ما في الحس اه جامى.
و قول عائشة (لا خفاء بها) تفسير لقولها مثل فلق الصبح اه (و كل ما يرى في حال النوم) و هو اليقظة في العرف العام التي عبر عنها بقوله «الناس نيام» (فهو من ذلك القبيل) أي من قبيل ما رآه النبي في ستة أشهر من الرؤيا الصادقة حيث يحتاج إلى التعبير اه فإنه عليه الصلاة و السلام عد الناس في حال اليقظة أيضا نياما، و جعل ما يظهر لهم في الحس مثل ما يظهر لهم في الخيال عند النوم، فكما أن الصور المرئية في النوم محتاجة إلى العبور منها إلى حقائقها الباطنة، كذلك الصور المحسوسة أيضا فإنها أمثلة للصور المثالية، و هي للأرواح المجردة و آثارها و هي للأسماء الإلهية و هي للشئون الذاتية، فكما يعرف العالم بالتعبير المراد بالصورة المرئية في النوم، كذلك يعرف العارف بالحقائق المراد بالصورة الظاهرة في كل مرتبة، فعلم من قوله عليه الصلاة و السلام أن يقظة الناس نوم اه جامى.