شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣٣
المأمور به للعلم بأنه لا يقع، و العلم تابع لما في عين المأمور من حاله قبل وجوده، و إنما وقع الأمر بما علم أنه لا يؤخذ ليظهر ما في عين المأمور من المخالفة و العصيان، فيلزمه الحجة للَّه عليهم فيتوجه العقاب بمقتضى العدل (و لهذا قال «شيبتني سورة هود و أخواتها» لما تجرى عليه من قوله- فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ- فشيبه «كما أمرت» أي شيبه هذا القيد لأنه أمر بدعوة الكل، و من جملتهم من تعلقت الإرادة بأن لا يقع منه المأمور به، فإن توقع وقوع المأمور به تعب (فإنه لا يدرى حل أمر بما يوافق الإرادة فيقع، أو بما لا يوافق الإرادة فلا يقع، و لا يعرف أحد حكم الإرادة إلا بعد وقوع المراد، إلا من كشف الله عين بصيرته فأدرك أعيان الممكنات في حال ثبوتها على ما هي عليه فيحكم عند ذلك بما يراه، و هذا قد يكون لآحاد الناس في أوقات لا يكون مستصحبا، قال- ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ- فصرح بالحجاب، و ليس المقصود إلا أن يطلع في أمر خاص لا غير) و ليس المقصود من النبي أن يطلع على كل شيء مما في الغيب إلا في أمر خاص به، و هو ما يدعو إليه من المعرفة باللّه و التوحيد و أمر الآخرة من أحوال القيامة و البعث و الجزاء لا غير.
(٩) فص حكمة نورية في كلمة يوسفية
إنما خصت الكلمة اليوسفية بالحكمة النورية، لأن النور هو الذي يدرك و يدرك به، أي الظاهر لذاته المظهر لغيره، و قد كشف الله على يوسف عليه السلام و أعطى النور التام العلمي الذي كان يكشف به حقية الصور المتخيلة في المنام، أي ما تحقق في عالم المثال و يصير مشاهدا في عالم الحس، و تغيرت صورته في الخيال بتصرف القوة المتصرفة، فيعلم ما أراد الله تعالى بالصور الخيالية و هو علم التعبير، كما أشار إليه قدس سره في نقش الفصوص، و قال: لأن الصورة الواحدة تظهر لمعان كثيرة يراد منها في حق صاحب الصورة معنى واحد: أي تظهر تلك الصورة الواحدة في خيال أشخاص كثيرة لمعان كثيرة مختلفة يراد من تلك الصورة في حق صاحبها معنى واحد من تلك المعاني فيمن كشفه بذلك النور فهو صاحب النور، فإن الواحد يؤذن فيحج، و الآخر يؤذن فيسرق، و صورة الأذان واحدة، و آخر يؤذن فيدعو إلى الله على بصيرة، و الآخر يؤذن فيدعو إلى الضلالة، هذا كلامه بشرحه، و المراد بحقية الصورة الخيالية ما يتحقق منها في الخارج، كقوله- قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا- و ما كان عند الله، و ما تمثل في العالم المثالي إلا ذلك (هذه الحكمة النورية انبساط نورها على حضرة الخيال، و هو أول مبادئ الوحى الإلهي في أهل العناية)
__________________________________________________
(هذه الحكمة النورية) مبتدأ و (انبساط نورها) مبتدأ ثان، و ضميره يرجع إلى الحكمة (على حضرة الخيال) خبره، و الجملة خبر المبتدإ الأول، أي هذه الحكمة النورية ينبسط نورها على حضرة المنام، فيرى بسببه رؤيا صادقة اه (أهل العناية الكبرى) هم الأنبياء لأن ما يراه الأنبياء أولا إنما هو في الصورة المثالية