شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣٢
لا من جميع الوجوه بل من جهة الإصلاح و الإسعاد (و الحق على وجهين في الحكم في أحوال المكلفين فيجري الأمر من العبد بحسب ما تقتضيه إرادة الحق، و تتعلق إرادة الحق به بحسب ما يقتضي به علم الحق، و يتعلق علم الحق به على حسب ما أعطاه المعلوم من ذاته، فما ظهر: أي المعلوم إلا بصورته، فالرسول و الوارث خادم الأمر الإلهي بالإرادة) أي بإرادة الحق (لا خادم الإرادة) أي لا خادم إرادته تعالى، فإنه أراد من الرسول و وارثه أن يطلبا سعادة العبد لا مراده تعالى منه (فهو يرد عليه طلبا لسعادة المكلف) أي يرد على الأمر الإلهي بالأمر الإلهي إذا تعلقت الإرادة بشقاوته، و لهذا خوطب بقوله- إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ- و هو بقوله- فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ- و عوتب بقوله- فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ- و أمثالها (فلو خدم الإرادة الإلهية ما نصح) لأن الإرادة إنما تعلقت بما يفعله العبد المنصوح (و ما نصح إلا بها أعنى الإرادة) فتبين أن الرسول و الوارث ليس بخادم للأمر الإلهي مطلقا بل من جهة الإصلاح و إحراز السعادة كالطبيب (فالرسول و الوارث طبيب أخروى للنفوس منقاد لأمر الله حين أمره، فينظر في أمره تعالى و ينظر في إرادته تعالى، فيراه قد أمره بما يخالف إرادته و لا يكون إلا ما يريد، و لهذا كان الأمر) أي و لأن أمر الرسول للأمة مراد للحق كان الأمر أي وقع إذ لا يكون إلا ما يريده (فأراد الأمر فوقع، و ما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور فلا يقع من المأمور، فسمى مخالفة و معصية) بالنسبة إلى الأمر لا الإرادة (فالرسول مبلغ) لا غير، و إنما لم تتعلق الإرادة بوقوع
__________________________________________________
قوله (في الحكم) يتعلق بالحق، و قوله (في أحوال المكلفين) يتعلق بالحكم (فيجري الأمر) أي فيصدر ما أمره الحق بالعبد (من العبد) فإذا وافق الأمر الإرادة وقع المأمور به، فيكون مطيعا أو لم يوافق فيكون عاصيا (خادم الأمر الإلهي بالإرادة) متعلق بالأمر: أي تعلق إرادته في الأزل بأن الرسول خادم، أي مبلغ الأمر إلى المكلف سواء وقع المأمور به أولا (لا خادم الإرادة) و إلا لساعد الفاسق في فسقه (فهو يرد) ما صدر من العبد المخالف للأمر (عليه به) أي بالأمر الإلهي و لم يقبله مع أنه بالإرادة و لو خدم الإرادة لم يرده اه.
(أعنى الإرادة) أي الإرادة المتعلقة بالنصيحة مطلقا سواء طابقت الإرادة أولا، لذلك كانت الدعوة عامة في السعيد و الشقي، و لم يزل النبي عن دعوة أحد و إن علم منه عدم القبول، ما لم يأت البرهان من عند الله القاطع عن الدعوة في حقه، لأنه ما عليه إلا التبليغ (فينظر في أمره) أي في أمر الحق إلى الرسول ليبلغه إلى عباده و يعلم حكمة أمره (و ينظر في إرادته) و يعلم حكمة إرادته (فيراه) الحق بسبب علمه هذين الأمرين (قد أمره) أي المكلف (بما يخالف إرادته و لهذا كان الأمر) لأنه المراد وقوعه من الله (فأراد الأمر) أي وقوع الأمر، و هي التكاليف الشرعية (فوقع فما أراد وقوع ما أمر به) أي المأمور به (بالمأمور) متعلق بما أمر به و هو الرسول، إذ بواسطته يأمر المكلف (فلم يقع) المأمور به بالأمر (من المأمور) و هو المكلف فأراد الحق وقوع الأمر من الرسول، و هو التبليغ إلى المأمور فوقع الأمر منه، و لم يرد وقوع المأمور به من المأمور فلم يقع، كما في أبى جهل فإن مراد الله وقوع الأمر في حقه و كونه مخاطبا بالأحكام الشرعية بلسانه عليه الصلاة و السلام فوقع لأن مراد الله لا بد من وقوعه، و لم يقع المأمور به و هو قبوله حكم الله لأنه ما أراد الله وقوعه منه فوقوع الأمر له، و عدم وقوع المأمور به منه من جملة عينه الثابتة اه بالى.