شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٣
قوله (و قد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه و كان كمرآة غير مجلوة) جملة اعتراضية بين الشرط و جوابه و الشرط مشيئته لرؤية أعيان الأسماء أو عينه في كون جامع، و الأسماء مقتضية لوجود العالم اقتضاء كل اسم جزءا منه، فقد كان العالم موجدا باقتضائها له قبل وجود الإنسان الذي هو الكون الجامع، لأن كل اسم يطلب بانفراده ظهور ما اشتمل عليه و هو الذات مع صفة ما: أي وجودا مخصوصا بصفة، و الاسم الآخر وجودا مخصوصا بصفة أخرى، فلم يكن لشيء من الأسماء اقتضاء وجود اتحد به جميع الصفات إذ ليس لأحد من الأسماء أحدية الجمع بين الصفات، فلم يكن للعالم مظهرية أحدية جميع الوجود و لذلك شبهه قبل وجود الإنسان فيه بأمرين شبح مسوى لا روح فيه أو مرآة غير مجلوة، إذ لم يظهر فيه وجه الله بل وجوه أسمائه، فوجود شبح نصب على المصدر أي أوجده وجودا مثل وجود شبح مسوى لا روح فيه (و من شأن الحكم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا و لا بد أن يقبل روحا إليها عبر عنه بالنفخ فيه) معناه موقوف على معرفة حكمه و هو أن حكم الله تعالى أمره أي إيجاد الأشياء بقوله كن و الله عين الوجود المحض المطلق الذي هو أظهر الأشياء و نور الأنوار فهو يتجلى بذاته لذاته دائما فتسويته للمحل ظهوره في صورة اسم، و ذلك الاسم هو عينه مقيدا بصفة من الصفات القابلية فلا يظهر فيه إلا عينه، و ذلك الظهور قبوله للروح و عينه هو الموصوف بكل صفة إلا أنه لا يظهر في ذلك المحل إلا بصفة واحدة من الصفات الفاعلية، و ذلك هو الخلق باليدين فهو روح إلهى و معنى النفخ فيه هو الظهور فيه بتلك الصفة و لذلك قال (و ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل و لا يزال) أي لقبول الفيض الذي هو التجلي الدائم فهو بمعنى اسم الإشارة كما في قول رؤبة:
فيها خطوط من سواد و بلق كأنه في الجلد توليع البهق
أي كان ذلك بمعنى و ما ذلك و هو إشارة إلى ما ذكر من قوله ما سوى محلا إلا و لا بد أن يقبل روحا إلهيا، أي اقتضاء تسوية المحل لقبول الروح الإلهي، مثاله الشهب و هي الأبخرة المستعدة للاشتعال في حيز النار إذ و لا بد لها من الاشتعال، و لما ذكر الاستعداد و الفيض لزم وجود المستعد الذي هو القابل.
__________________________________________________
(العالم كله) من العلم إلى العين قبل إيجاد آدم (وجود شبح مسوى لا روح فيه) مثل الطين في حق آدم و النطفة في حق أولاده و هو ظلمة و خلق محض لا يهتدى به إلى شيء و إنما أوجده أولا على هذا الطريق، ثم جلى بآدم لأن المرآة لا يكون إلا من كثيف ظلمانى و لطيف نورانى، فكان العالم بدون آدم كمرآة غير مجلوة بالى.
(عبر عنه) أي عن الروح الإلهي (بالنفخ فيه) و المراد بالنفخ إعطاء القابلية و الاستعداد لا بمعنى إخراج الهوى من جوف النافخ و إدخاله في جوف المنفوخ فيه فإنه محال على الله اه فالعالم المسوى بدون الروح الإلهي كالمرآة للغير الصقيلة و بالروح بمنزلة الصقيلة فكما أن المرآة بسبب جلائه تقبل صورة من يحاذيها و تعطيها لصاحبها، كذلك العالم بسبب قبول الروح الإلهي يقبل التجلي الدائم الذي هو ظهور عينه إليه في ذلك المحل اه.