شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٢٨
لأن أمر الله مرتب على استحقاق العبد، فلا يجرى من الله عليه إلا ما هو حق له بحسب ما يقتضيه حاله فهو حق في نفسه، فعلى كل حال سواء كان العبد موافقا أو مخالفا كان الحق منقادا إليه لأفعاله بحسب اقتضاء حاله، فما أثر فيه إلا حاله (فمن هنا كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسر و بما لا يسر- رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ- جزاء ما يسر- وَ من يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً- هذا جزاء بما لا يسر و يتجاوز عن سيئاتهم هذا جزاؤهم، فصح أن الدين هو الجزاء، و كما أن الدين هو الإسلام و الإسلام عين الانقياد فقد انقاد إلى ما يسر و إلى ما لا يسر فهو الجزاء، هذا لسان أهل الظاهر في هذا الباب) و هو الظاهر.
(و أما سره و باطنه فإنه تجلى في مرآة وجود الحق، فلا يعود على الممكنات من الحق إلا ما يعطيه ذواتهم في أحوالها، فإن لهم في كل حال صورة فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم، فيختلف التجلي لاختلاف الحال فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون) أي فإن انقياد الحق للعبد و هو الدين بما يسر و بما لا يسر، تجلى للحق باسم الديان في مرآة وجود الحق المتعين بصورة العبد لا الحق المطلق، الذي يستدعيه حال العبد الدين و غير الدين، لأن الله تعالى شرع له من حضرة اسمه الهادي، و المكلف ما يصلح فيوجد عليه القيام بما شرع و هو إقامة الدين بالانقياد إليه، فإن انقاد استدعى الحالة التي هي موافقة له من الجزاء بما يسر، و التجلي بما يوافقه و هو المسمى بالثواب، و إن لم ينقد إليه استدعى حاله من المخالفة الجزاء بما لا يسر، و التجلي بما يخالفه المسمى بالعقاب فلا يعود على العباد من الحق إلا مقتضى أحوالهم، فإن اختلاف أحوالهم بالموافقة و المخالفة يقتضي اختلاف صورهم، فتختلف تجليات الحق فيهم باختلاف صورهم، فتختلف آثار تلك التجليات فيهم بالثواب و العقاب (فما أعطاه الخير سواه و لا أعطاه ضد الخير غيره، بل هو منعم ذاته و معذبها، فلا يذمن إلا نفسه و لا يحمدن إلا نفسه- فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ- في علمه بهم إذ العلم يتبع المعلوم) أي علم الله أنهم يوافقون أو يخالفون الأمر من أحوال أعيانهم الثابتة فعلمه تابع لما في أعيانهم، فإذا وقع بعد الوجود ما علم من أحوالهم تجلى لهم في صور مقتضيات أحوالهم من الموافقة و المخالفة، و كان الجزاء الوفاق، فما الحجة إلا للَّه عليهم.
__________________________________________________
(فمن هنا) أي من حصول الانقياد من الطرفين (كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسر) و هو الرضا من الطرفين (أو بما لا يسر) و هو عدم الرضا من الطرفين فيما يسر كقوله تعالى- رَضِيَ الله-.
قوله (هذا جزاؤهم) بما رضوا عنه لا جزاء بما رضى الله بل جزاء بما لا يرضى الله عنهم، فعلى أي حال صح أن الدين هو الجزاء اه (فتختلف صورهم) باختلاف أحوالهم كالصباوة و الشبابة و الشيخوخة، تختلف في شخص واحد لاختلاف الأزمان و الأحوال اه بالى.
(فما أعطاه) العبد (الخير) و هو ما يسر (سواه) أي سوى ما أعطاه العبد للحق أو سوى العبد و كذلك قوله (و ما أعطاه ضد الخير) و هو ما لا يسر (غيره بل هو منعم ذاته) فما أعطاهم إلا بما علمهم و ما علمهم إلا بحسب أحوالهم فكان الدين كله للعبد من العبد على هذا الوجه فهو جزاؤه حاصل له من نفسه خيرا أو شرا اه