شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٢٦
هو، لأن السعادة هي كمالك المخصوص بك (و سأبسط في ذلك إن شاء الله تعالى ما تقع به الفائدة، بعد أن نبين الدين الذي عند الخلق الذي اعتبره الله، فالدين كله للَّه) لأن الانقياد ليس إلا له سواء انقدت إلى ما شرعه الله، أو إلى ما وضعه الخلق من النواميس الحكمية لأنه لا رب غيره (و كله منك لا منه) لأن الانقياد إنما هو منك لا منه (إلا بحكم الأصالة) لما ذكر أن أصل الفعل منه لا من المظاهر و المنقاد إليه، سواء كان مأمورا به من عند الله أو من عند الخلق، مأمور به في الأصل من الله و للَّه (قال الله تعالى- وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها- و هي النواميس الحكمية التي لم يجيء الرسول المعلوم بها في العامة، من عند الله بالطريقة الخاصة، المعلومة في العرف) الباء في قوله: بالطريقة متعلقة بابتدعوها: أي رهبانية اخترعوها بوضع تلك الطريقة الخاصة المعلومة في عرف خاص، كطريقة التصوف في زماننا، فإنها نواميس حكمية لم يجيء الرسول المعلوم في زمان اختراعها، كمحمد صلى الله عليه و سلم في زماننا بها في عموم الناس من عند الله، فإنها طريقة أهل الخصوص من أهل الرياضة السالكين طريق الحق لا تحتملها العامة و لا تجب عليهم (فلما وافقت الحكمة و المصلحة الظاهرة فيها) أي في تلك النواميس (الحكم الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي) و هو الكمال الإنسانى (اعتبرها الله اعتبار ما شرعه من عنده تعالى) أي كما اعتبر الذي شرعه الله تعالى من عنده (و ما كتبها الله عليهم) فإن للخصوص من أهل الله حكما خاصا بهم، لاستعداد خاص وهبه الله لهم في العناية الأولى (و لما فتح الله بينه و بين قلوبهم باب العناية و الرحمة من حيث لا يشعرون، و جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوه يطلبون بذلك رضوان الله، زيادة على الطريقة النبوية المعروفة بالتعريف الإلهي) أي و لما خصوا بمزيد عناية و رحمة رحيمية من غير شعور منهم بها، صدقت إرادتهم و ازداد شوقهم فوقع في قلوبهم من الله تعظيم ما شرعوه من النواميس، التي وضعها حكماؤهم و عظماؤهم، بزيادة على
__________________________________________________
منزلته في التسمية و ظهور كمالاته (فالدين كله) أي سواء كان عند الحق أو الخلق مختص (للَّه) لا يكون لغيره (لا منه) أي من الله (إلا بحكم الأصالة) فإن الأشياء كلها بحكم الأصالة للَّه و باللّه، و من الله و إلى الله.
و لما وعد بيان الدين الذي عند الخلق شرع بقوله (قال تعالى- وَ رَهْبانِيَّةً-) و هو ما يفعله الراهب العالم في الدين العيسوى من العزلة و الرياضة و غير ذلك- ابْتَدَعُوها- أي اخترعوا تلك الرهبانية من عند أنفسهم و كلفوا بذلك أنفسهم من غير تكليف من ربهم، طلبا بذلك من الله الأجر (و هي النواميس الحكمية) أي تحصل منها الحكمة و المعرفة الإلهية لذلك اعتبره الله تعالى.
(و الطريقة الخاصة المعلومة في العرف) هو ظهور إنسان بدعوى النبوة إظهار المعجزة، و بهذا يعلم النبي في عرف الناس (بالوضع المشروع الإلهي) و هو تكميل النفوس بالعلم و العمل (اعتبره) أي الحق ما وضعه الراهب العالم في دين المسيحي من النواميس الحكمية (اعتبار ما شرعه من عنده) فكان دين الخلق دينا عند الله في التعظم و استحقاق الأجر بالعمل اه.
(و لما فتح الله) بسبب تحملهم بهذه الأعمال الشاقة (باب العناية و الرحمة) و هو معنى قوله- وَ جَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً- اه بالى.