شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١١٧
هو الرب المطلق، كقول الكامل- رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ- رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (ففضل إسماعيل غيره من الأعيان بما نعته الحق به من كونه عند ربه مرضيا، و كذلك كل نفس مطمئنة، قيل لها- ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ- فما أمرها أن ترجع إلا إلى ربها الذي دعاها فعرفته من الكل- راضِيَةً مَرْضِيَّةً- فَادْخُلِي في عِبادِي- من حيث ما لهم هذا المقام، فالعباد المذكورون هنا كل عبد عرف ربه تعالى و اقتصر عليه و لم ينظر إلى رب غيره مع أحدية العين لا بد من ذلك) ظاهر، فإن الاطمئنان لا يكون إلا إذا أطاعت النفس ربها في جميع أوامره و نواهيه التي دعاها إليها فأجابته بها، فتكون راضية مرضية عند ربها فتدخل في عباده من حيث أن لهم مقام الرضا، فلم تنظر إلى رب غيرها من النفوس مع أحدية رب الكل بحسب الذات، فإن عين جميع الأسماء ليست إلا ذاتا واحدة (- وَ ادْخُلِي جَنَّتِي- التي هي سترى، و ليست جنتى سواك فأنت تسترني بذاتك) الجنة: المرة من الجن و هو الستر. و لما كان العبد مظهرا لربه كان سترا له بكونه، و كان ملائما ربه في مظهريته له و كون أفعاله أفعاله، فيحبه و يحب أفعاله و هو جنة ربه (فلا أعرف إلا بك، كما أنك لا تكون إلا بى) فكما لا يوجد العبد إلا بربه لأنه موجود بوجوده، فكذلك لا يعرف الرب إلا بالعبد لأنه مظهره و مظهره كما قال تعالى- سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ- و قال عليه الصلاة و السلام «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (فمن عرفك عرفني و أنا لا أعرف فأنت لا تعرف) و قد ثبت أن الله لا يعرف بالحقيقة، إذ لا يعرفه إلا هو، فعبده الأكمل الذي هو مظهر الحق الأعظم لا يعرفه فكيف غيره (فإذا دخلت جنة دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إياها) أي إذا أمرك بدخول جنته برضاه عنك دخلت نفسك فعرفتها معرفة غير المعرفة الأولى، لأن المعرفة التي عرفته بها من معرفتك نفسك أفادتك معرفة أن النقائص و المذامّ من نفسك، و الكمالات و المحامد من ربك، فجعلت نفسك جنة و سترا من إضافة
__________________________________________________
لم يظهر لظهوره في عبد رب آخر لم يكن المرضى مرضيا عند عدم ظهور ذلك البعض فلم يكن مرضيا مطلقا عند ربه، فقد ثبت بالنص و الكشف أنه عليه الصلاة و السلام مرضى مطلقا لظهور جميع فعل الراضي فيه، فلما استوى كل موجود مع إسماعيل في كونه مرضيا عند ربه، أراد أن يبين جهة امتيازه بقوله ففضل إسماعيل اه (و لم ينظر إلى رب غيره) كما لم ينظر ربه إلى عبد رب آخر، فإن النظر إلى رب غيره من الجهل بربه (مع أحدية العين) أي مع أن ربه عين رب غيره في مقام أحدية الذات، و مع ذلك (لا بد من ذلك) أي من عدم النظر إلى رب الغير، فإن الأمر في نفسه على ذلك اه بالى.
فتوقفت معرفة كل منهما إلى الآخر، الأول مشاهدة المؤثر من الأثر و الثاني مشاهدة الأثر من المؤثر، و هو أتم من الأول معرفة، و معناه: لا يعرفني عبد إلا أنت و لا يعرفك رب إلا أنا، و يجوز أن يكون معناه (و أنا لا أعرف) على البناء المعلوم إلا أنت (فأنت لا تعرف) إلا أنا إذ كل رب لا يعرف إلا ما كان مظهرا لربوبيته، كما أن كل عبد لا يعرف إلا ربه الخاص، و قد انحصر الأمر من الطرفين اه.