شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١١٠
الحق، إشارة إلى قوله عليه الصلاة و السلام حكاية عن ربه «ما وسعني أرضى و لا سمائى» و وسعني قلب عبدى المؤمن» أي ما وسع الحق الذي وسعت رحمته كل شيء لم يضق عن شيء، و كيف يضيق عن خلق ما وسعه الواسع المطلق، أي الله تعالى (بالوهم يخلق كل إنسان في قوة خياله ما لا وجود له إلا فيها و هذا هو الأمر العام، و العارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج في محل الهمة، و لكن لا تزال الهمة تحفظه و لا يئوده حفظه أي حفظ ما خلقه، فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق، إلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات، و هو لا يغفل مطلقا بل لا بد من حضرة يشهدها) خلق العارف إنما هو باستجماع وهمه و همته و فكره و جميع قواه، و في الجملة بتسليط نفسه على إيجاد أمر في الخارج، فإن الهمة ممن كان موصوفا بصفات الله خلاقة و لكن لما كان موجبه جمع همة وجب أن تكون الهمة متوجهة نحوه حافظة إياه، فإن غفلت عنه بتوزع همة أو نوم أو تعلق خاطر بشيء آخر، زال الموجب فينعدم ذلك الأمر، بخلاف خلق الله تعالى فإنه يشهد كل شيء و لا يعزب عنه شيء أصلا، و لا بد في خلقه أيضا من توجهات أسمائه نحو المخلوق، إلا أنه لا يشغله شأن عن شأن، بخلاف العارف إلا أن يكون العارف قد توغل بتجرده في الحضرات، فيغفل عن مخلوقه من وجه و يشهده من وجه، كمن ضبط الصورة المخلوقة في الحس و الخيال و المثال و الحضرة الأسمائية الإلهية فيغفل عن الحس و الخيال و يحفظه في المثال أو في أعلى منه، و لا بد من شهوده إياه في حضرة ما (فإذا خلق العارف بهمته ما خلق و له هذه الإحاطة ظهر ذلك الخلق بصورته في كل حضرة و صارت الصورة تحفظ بعضها بعضا، فإذا غفل العارف عن حضرة ما أو عن حضرات و هو شاهد حضرة ما من الحضرات حافظ لما فيها من صورة خلقه انحفظت جميع الصور بحفظه تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها، لأن الغفلة ما تعم قط لا في العموم و لا في الخصوص) قد علمت أن الصورة الحسية الخارجية آخر مراتب الوجود، و الصورة
__________________________________________________
أجبنا (بالوهم) لا بغيره من القوى (يخلق) يخترع (كل إنسان) و هذا هو الأمر العام يعنى أن غير العارف يوجد شيئا و لا يكون ذلك الشيء موجودا في خارج قوة خيالية (و العارف يخلق) و الخلق هنا قصد الإظهار من الغيب إلى الحضور، و معطى الوجود على حسب قصدهم هو الله لا غير.
قوله (عدم ذلك المخلوق) لانعدام الإمداد بالغفلة لزوال الهمة بالغفلة فزال المعلوم اه بالى.
(بصورة في كل حضرة) لأن هذا العارف يخلق ذلك الخلق من مقام الجمع، فيكون موجودا على صورته في كل حضرة بقدر نصيبه و صارت الصور تحفظ بعضها بعضا، لأنه إذا كان الخلق بصورته موجودا في كل حضرة فقد تحفظ الهمة الصورة التي لا يغفل العارف عن حضرتها، و تحفظ باقى الصور بالصورة المحفوظة بالهمة لوجوب التطابق بين الصور، و هو معنى قوله: فإذا غفل العارف إلخ، الهمة إذا تعلقت بما ليس بحاصل في الوقت فإنها تطلب النفوذ إلى مشاهدة من تعلقت به و تحصيله، و إذا رأى صاحب الهمة مطلوبه في نفسه زالت همته و انكسرت عن طلب النفوذ، و هو قوله:
قد يرحل المرء لمطلوبه و السبب المطلوب في الراحل
فإذا انكشف لك أن مطلوبك ليس غير عينك و عينك ما فارقك، فما يبقى لهمتك متعلق.