شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١١
(١) فص حكمة إلهية في كلمة آدمية
لما استعار الفص لنوع الإنسان و حقيقته المعبر عنه بآدم، كما قال في نقش الفصوص و أعنى بآدم وجود العالم الإنسانى، على أن العالم كالخاتم و الإنسان كفصه كان قلب كل إنسان عارف باللّه كامل فصا هو محل حكمته المخصوصة به، كما قال: منزل الحكم على قلوب الكلم، فإن لكل نبى مرتبة من الكمال هي جملة علوم و حكم متحدة بأحدية الاسم الإلهي الذي هو ربه، فلذلك نقل الفص من قلبه الذي هو محل حكمته إلى الفص المشتمل على تلك الحكمة و سماه به للمناسبة. ثم لما كان الإله المطلق الذي هو معبود الكل بذاته و جميع صفاته لا يتجلى إلا في هذا النوع فخص الفص المشتمل على الحكمة الإلهية بالكلمة الآدمية (لما شاء الحق سبحانه) المشيئة: اقتضاء الذات لما يقتضيه العلم فهي لازمة لجميع الأسماء، لأن كل اسم إلهى هو الذات مع صفته فمقتضى الذات لازم لكل اسم و لهذا قال (من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء) أي لما شاء مشيئة ذاتية أزلية نافذة في جميع الأسماء بحسب تطلب الكل أي الذات مع جميع الأسماء (أن يرى أعيانها) بظهورها و ظهورها اقتضاؤها لوجود العالم مع ما فيه حتى الإنسان و لهذا قال (و إن شئت قلت أن يرى عينه) لأن أعيانها عينه باعتبار كثرة التعينات و النسب (في كون جامع يحصر الأمر كله) و هو الإنسان الكامل و العالم معه.
قوله (لكونه متصفا بالوجود) علة لرؤيته تعالى عينه في الكون الجامع أي لكون ذلك الكون الجامع متصفا بالوجود و ذلك لأن الوجود الإضافي عكس الوجود الحقيقي المطلق، فإن الحقيقي المطلق الواجب المقوم لكل شيء الذي هو الحق تعالى إذا ظهر في الممكن تقيد به و تخصص بالمحل فكان ممكنا من حيث التخصيص و التقيد، و كل مقيد اسم فهو اسمه النور من حيث الظهور و كان كعكس صورة الرائي في المرآة المجلوة التي
__________________________________________________
(ممن أيد) أي ممن أيده الله بالتأييد الاعتصامى و هو تجليه له بالربوبية و ظهوره بكمال المالكية (فتأيد) قبوله هذا التجلي و هو مقام عبوديته و أيد آخرين بمثل ما أيد به و هو مقام ربوبيته مالى.
(لما شاء الحق) أي لما اقتضى بالحب الذاتي و لما هاهنا عبارة عن الامتداد المعنوي من الأزل إلى الأبد بمقارنة المشيئة الأزلية، و لم يقل أراد فإن عادتهم في حصول مراداتهم التعليق بالمشيئة لا الإدارة، و ذكر اسم الحق و لم يقل الله ليعلم أن السلطنة إيجاد الكون لهذا الاسم و سائر الأسماء توابعة لذلك، ذكر فردا حيث شاء الحق، و جمعا بقوله (من حيث أسماؤه الحسنى) فإنه من الأسماء الحسنى فذكر تكرارا إجمالا و تفصيلا تعظيما لشأنه بالى.
فقد أسند المشيئة المتعلقة بالرؤية بقوله (أن يرى أعيانها) إلى الفيض المقدس، و بقوله: أن يرى عينه إلى الفيض الأقدس، و أشار إلى اتحادهما بقوله (و إن شئت قلت في كون) أي في موجود (جامع يحصر الأمر) أي المطلوب رؤيته و هو أعيانها أو عينه (لكونه متصفا بالوجود) أي ذلك الموجود الجامع بين النشاة الروحانية و الجسمانية كما قال فيما بعد فحازت رتبة الإحاطة و الجمع بهذا الوجود.