شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠٩
الحق المطلق بإطلاقه فيفنى فيه الكل فلا يحس به، و قوله: هذا وسع أبى يزيد، ليس بطعن فيه، بل أراد أن أبا يزيد مع تعينه الكلى نظر إلى عالم الأجسام بالفناء، فلو نظر بعين الله لقال مثل ذلك، و لكنه عين عالم الأجسام بالنسبة إلى المحجوبين بالأكوان، و علل الشيخ ما قال بقوله (فإنه قد ثبت أن القلب وسع الحق و مع ذلك ما اتصف بالري، فلو امتلأ ارتوى، و قد قال ذلك أبو يزيد) إشارة إلى قول أبى يزيد: بل الرجل من يتحسى بحار السموات و الأرض و لسانه خارج يلهث عطشا، و قوله:
شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب و ما رويت
و المراد أن تجليات الحق في الظاهر و الباطن لا يرتوى بها العارف، لأنه لا يحس بها من حيث التعين، بل يشاهد الجمال المطلق الغير المتناهي تجلياته (و لقد نهنا على هذا المقام بقولنا:
يا خالق الأشياء في نفسه أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهى كونه فيك فأنت الضيق الواسع)
لما كان كل ما وجد وجد بوجوده كان الكل فيه، و هو الجامع لما يتناهى من خلقه في ذاته، فلا وجود لغيره و هو بأحديته موجود في كل واحد جامع للكل، فهو الضيق في كل واحد الواسع لكل ما وجد و ما يوجد إلى ما لا يتناهى بأحديته الجامع لجميع الجميع.
(لو أن ما قد خلق الله ما لاح بقلبي فجره الساطع
من وسع الحق فما ضاق عن خلق فكيف الأمر يا سامع)
في البيت الأول تقديم و تأخير، أي لو أن ما خلق الله بقلبي ما لاح فجره، أي ما ظهر نوره الساطع، أي المرتفع الذي وسع المخلوقات كلها بفنائه مع الكل في الله، و الأولى أن يكون الضمير في فجره عائدا إلى ما خلق الله، أي ما يفنى من وجوده أثر لقيامه من وسع
__________________________________________________
الممكنات كلها، و أما كونه لا يحس بها فذلك لاشتغال القلب عنها بخالقها اه (يا خالق الأشياء في نفسه) أي في ذاته تعالى، لأن مجموع العالم أعراض عندهم قائم بذاته لا كقيام العرض بالجوهر بل كقيام الظل بصاحبه، فلا يخلو شيء عن الحق بل موجود به و فيه و معنى وجود الأشياء فيه عبارة عن إحاطته الأشياء بقدرته (أنت لما تخلقه جامع) بوجودك المحيط بكل شيء (تخلق ما لا ينتهى) أي لا يتناهى (كونه) أي وجوده (فيك) ظرف الخلق أو الكون (فأنت الضيق) لأنه لا يسع معك غيرك شيء في قلب العارف (الواسع) لأنك تسع الأمور الغير المتناهية التي خلقت فيك اه بالى.
(لو أن ما قد خلق الله في قلبى) حذف لدلالة قوله (ما لاح بقلبي) أي ما ظهر بقلبي فحينئذ يتعلق بقلبي إلى ما لاح (فجره) الضمير يرجع إلى ما: أي نوره (الساطع) أي المرتفع، فلو كانت الشمس في قلبى مع نورها الواضح الذي لا يخفى لأحد ما لاح بقلبي نورها فإن الحق يضيق قلبى بدخول الغير معه لاختفاء نور الحق عند ظهور نور الحق (من وسع الحق فما ضاق عن خلق) استفهام على سبيل التعجب (فكيف الأمر) أي من وسع الحق الواسع جميع الأمور الغير المتناهية، أ يضيق عن الحق الذي في الحق أم لا؟ كيف الأمر في ذلك؟