شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠٥
موطن الرؤيا من التعبير أم لا لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير فغفل، فما و في الموطن حقه، و صدق الرؤيا لهذا السبب) لما كان الاختبار سبب العلم و كانت الرؤيا المحتاجة إلى التعبير سببا لعلمه لطف عليه، و كلما ابتلى أنبياءه و أولياءه كان سببا لظهور كمال و علم مكنون في أعيانهم، فلما أراد الله أن يطلعه على علم التعبير أراه الذبح في صورة إسحاق، و خالف عادته في إراءته الصور في منامه على ما هي عليه من ظواهرها، فظهر بذلك كمال إيمانهما و إسلامهما لأنفسهما للَّه، و علم إبراهيم بذلك حق موطن الرؤيا من التعبير، لأنه كان في عينه الثابتة و لم يظفر عليه بعد، فغفل عن ذلك لأنه كان يعلم باطنا و لا يعلم ظاهرا، فما و في الباطن حقه و صدق الرؤيا بسبب الغفلة عما في عينه، فكان التصديق سببا لظهور كمال و علم جديد و هو علم التعبير، و في ضمنه أن الذبح و التقرب به هو صورة إسلامه الحقيقي بالفناء في الله، فإنه من جملة علم التعبير، و كان حاله في التصديق (كما فعل تقى ابن مخلد) الإمام (صاحب المسند، سمع في الخبر الذي ثبت عنده أنه صلى الله عليه و سلم قال «من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل على صورتى» فرآه تقى بن مخلد و سقاه النبي صلى الله عليه و سلم في هذه الرؤيا لبنا، فصدق تقى بن مخلد رؤياه فاستقاء فقاء لبنا، و لو عبر رؤياه لكان ذلك اللبن علما، فحرمه الله علما كثيرا على قدر ما شرب، أ لا ترى رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى في المنام بقدح لبن قال «فشربته حتى خرج الري من أظافيرى، ثم أعطيت فضلى عمر، قيل: ما أولته يا رسول الله؟
قال: العلم» و ما تركه لبنا على صورة ما رآه لعلمه بموطن الرؤيا و ما يقتضي من التعبير) إنما أول اللبن بالعلم، لأن اللبن غذاء لأبدان الأطفال الناقصين الباقين على الفطرة، فهو صورة العلم النافع الذي هو غذاء لأرواح الناقصين الصادقين، كالماء الذي هو سبب الحياة، و العسل الذي هو صورة العلم الذوقية العرفانية، و الخمر الذي هو صورة الجليات و العشقيات الشهودية (و قد علم أن صورة النبي عليه الصلاة و السلام التي شاهدها الحس أنها في المدينة
__________________________________________________
اعلم أن علم التعبير علم يدرك به ما أراد الله تعالى بتلك الصورة الظاهرة في حضرة الخيال بآرائه، و هي معرفة المناسبات التي بين الصور و معانيها، و معرفة مراتب النفوس التي تظهر تلك الصور في خيالاتهم، و معرفة الأزمنة و الأمكنة و غيرها مما له مدخل في التعبير، فإنه قد يختلف حكم الصورة الواحدة بالنسبة إلى أشخاص مختلفة المراتب، بل بالنسبة إلى شخص واحد في زمانين أو مكانين، و بكمال هذه المعرفة و نقصانها تتفاوت حال المعبرين في الإصابة و الخطأ في التعبير (فإن الشيطان لا يتمثل على صورتى) فإن قلت: لا يلزم من عدم تمكن الشيطان من التمثل بصورته أن تكون صورته المثالية عينه عليه الصلاة و السلام لا غيره، لجواز أن يتمثل بصورته ملك أو روح لإنسان أو معنى من المعافى كشرعه و سنته، و غير ذلك مما له نسبة إليه في معنى الهداية و غيرها. قلت: يمكن أن تكون سنة الله تعالى جارية بأن لا يتمثل بصورته و جبلته شيء أصلا تعظيما لشأنه، و يكون تخصيص الشيطان بالذكر للاهتمام بنفي تمكنه من التمثل بصورته لما لا يخفى وجهه اه جامى.