شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠٤
حديث متفق على صحته» (و قال الله تعالى- لإبراهيم عليه الصلاة و السلام حين ناداه أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا- و ما قال له: قد صدقت في لرؤيا إنه ابنك، لأنه ما عبرها) فلو صدق في رؤيا ما رأى لما كان عند الله إلا إسحاق و لذبحه، فلم يصدق فيها بالتعبير كما هو عند الله (بل أخذ بظاهر ما رأى و الرؤيا تطلب التعبير، و لذلك قال العزيز- إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ- و معنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر، فكانت البقر سنين في المحل و الخصب، فلو صدق في الرؤيا لذبح ابنه) و لكان عند الله كذلك (و إنما صدق الرؤيا في أن ذلك عين ولده، و ما كان عند الله إلا الذبح العظيم في صورة ولده، ففداه لما وقع في ذهن إبراهيم عليه الصلاة و السلام ما هو فداء في نفس الأمر عند الله) ما نفى، أي لم يكن المذبح فداء لابنه في نفس الأمر عند الله، بل في ذهن إبراهيم (فصور الحس الذبح و صور الخيال ابن إبراهيم عليه الصلاة و السلام) و كان شيئا واحدا فأجراه إبراهيم على عادته في المنام و الوحى، و كان ابتلاء من الله و لابنه فصدقه، فتحقق بذلك التصديق إسلامه و إسلام ابنه تصديقهما الرؤيا فأظهر الله جلية الأمر، فعلم إبراهيم أن الذي رآه في صورة ابنه كان كبشا، و أن مقتضى موطن الرؤيا هو التعبير (فلو رأى الكبش في الخيال لعبر بابنه أو بأمر آخر) أي على ما علمه الله لفداء من أن حق موطن الرؤيا هو التعبير، كما لو رأى إسلامه لنفسه في صورة الذبح لعبره بالإسلام، ثم قال- إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ- أي الاختبار الظاهر، يعنى الاختبار في العلم، هل يعلم ما يقتضيه
__________________________________________________
(قد صدقت الرؤيا) أي قد جعلت رؤياك صادقة في الحس باعتقادك و مباشرتك بحسب اعتقادك، و ليس المراد برؤياك ما أخذته بل المراد غير ذلك، و لم تطلع على ما هو المرد، دع نفسك عن ذبح ولدك فإنك قد ذهبت إلى غير سبيل رؤياك بتصديقك الرؤيا، و ما كان في علمى أن تذبح ولدك، فإنى قد حرمت ذبح الإنسان، و ليس لك في علمى إلا الكبش الذي رأيته في صورة ولدك، و لو صبر إبراهيم و طلب علم ما رآه من الله لنزل الكبش إليه البتة إذ هو المعجزة المقدرة في العلم الأزلى، و لو كان المراد ابنه لقال حين ناداه- أَنْ يا إِبْراهِيمُ- (قد صدقت) بالتخفيف في الرؤيا أنه ابنك (و ما قال له قد صدقت) إلخ فكان الفداء فداء عن ذهن إبراهيم، فإذا كانت رؤياه تطلب التعبير لم يصدق إبراهيم في الرؤيا، و لو لم تطلب الرؤيا التعبير لصدق، فكما أن ما كان عند الله إلا الذبح العظيم، كذلك ما كان عند الله إلا تصديق الرؤيا عن إبراهيم، و ما فعل الأنبياء إلا ما عند الله اه (ما هو فداء في نفس الأمر عند الله) بل في ذهن إبراهيم، فللرؤيا صورتان صورة الذبح و هو الفعل الحسي، و صورة ولد إبراهيم و هي صورة المعاني (فصورة الحس صورة الذبح) و هو بعينه الذبح الذي وقع في الحس في الكبش، فكان المراد عين تلك الصورة لا غير، إذ الحس لا يصور إلا عين الصورة فلا يطلب ما في الحس التعبير بخلاف الخيال (فصور الخيال ابن إبراهيم) لذلك دخل التعبير فظهرت المعنى الكبشية في خيال إبراهيم في صورة ولده فحكم وهم إبراهيم أن المراد هو نفس الصورة فعمل بما حكم عليه وهمه، فجاز ظهور المعاني في الخيال بما تطابق بصورها الحسية أو بغيرها، فإذا لم يظهر معنى الكبشية في خياله بصورته الكبشية فلم ير صورة الكبش.
قوله (المبين أي الاختيار) لعلمه عند ذبح الكبش ما كان لمراد في ذلك، فكان قوله- إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ- مثل قول يوسف- هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ- فكانت هذه الآية مقدما في الذكر مؤخرا في الوقوع عن آية الفداء اه بالى.