شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠٢
بعقله و فكره أو تقليده، كقوله تعالى- بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا- فثبت أن الكبش أعلى مرتبة منه- أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ- وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ- بل تبين أن الجماد أعلى مرتبة من الجميع- وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ من خَشْيَةِ الله- كذلك أقل درجات و أدونها لقوله- وَ إِنَّ من الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ- و أما الإنسان الكامل فإنما كان أشرف الجميع، لظهور الكمالات الإلهية عليه و فنائه فيه بصفاته و ذواته، لا من حيث إنه حيوان مستوى القامة عارى البشرة، و لو لم يغير فطرته و لم يحتجب بأنانيته و لم يشب عقله بهواه و لم يتبع الشيطان و خطاه لم يكن أحسن منه، كما قال عليه الصلاة و السلام «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و يمجسانه و ينصرانه».
(بذا قال سهل و المحقق مثلنا لأنا و إياهم بمنزل إحسان)
أي بهذا القول، و هو أن الجماد أعرف باللّه و أطوع له من المخلوقات سيما الإنسان الناقص. قال سهل بن عبد الله الصوفي: و كل محقق مثلنا لأنا و إياهم في مقام الإنسان و هو مقام المشاهدة و الكشف وراء مقام الإيمان، كما قال تعالى- ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا- و قال عليه الصلاة و السلام «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» فمن لم يذق الشهود فليؤمن بقول الصحابي عن بدن النبي عليه الصلاة و السلام حين أمر بتقريبها للَّه قرابين أنها جاءت يزدلفن إليه عليه الصلاة و السلام بأيتهن يبدأ في قربانه:
(فمن شهد الأمر الذي قد شهدته يقول بقولى في خفاء و إعلان)
و لا تلتفت قولا يخالف قولنا و لا تبذر السمراء في أرض عميان
هم الصم و البكم الذي أتى بهم لأسماعنا المعصوم في نص قرآن)
أي من شهد ما شهدته عرف أن شهادة الأعيان الموجودة كلها بلسان الحال الحق، هي ذاتية فطرية، و قال: ما أقول به كأمير المؤمنين على كرم الله وجهه، حيث قال:
يشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذى الجحود
و لا تبذر السمراء في أرض عميان مثل لمن يلقن المعرفة من لا يستعد لقبولها و لا يهتدى إلى الحق، و يبصر من لا بصيرة له و هم الذين سماهم الله في القرآن الذي جاء به المعصوم أي النبي عليه الصلاة و السلام- صما و بكما- مع أنهم يسمعون و ينطقون عرفا، لعدم فهم الحق و انتفاعهم بحاسة السمع و نطقهم بالحق، كما سماهم- عُمْياً- مع سلامة حاسة بصرهم، لاحتجابهم عن الحق
__________________________________________________
(بذا) أي بما قلت (قال سهل) فإن علم المحققين يحصل عن كشف إلهى، فلا يقبل الاختلاف فإنه لا يكون إلا في العلم الاجتهادى (و لا تبذر السمراء) أي المحنطة (في أرض عميان) أي لا تقل قولى لمن كان عمى قلبه، فإنها لا تنبت المعارف الإلهية في أرضهم اه بالى.