شرح فصوص الحکم - الکاشانی، عبدالرزاق - الصفحة ١٠١
لقوله: «خلق آدم على صورته» و إلا فالباقي على فطرته من غير تصرف فكره، و ظهوره بنفسه و أنانيته كان أقرب إلى الحق، لقوله:
(فلا خلق أعلى من جماد و بعده نبات على قدر يكون و أوزان
و ذو الحس بعد النبت و الكل عارف بخلاقه كشفا و إيضاح برهان
و أما المسمى آدما فمقيد بعقل و فكر أو قلادة إيمان)
يريد أن الكشف و الشهود المراد بإيضاح البرهان يحكمان أن الحق متجل في كل شيء و سار بأحديته في كل موجود، و هو عين صورته و علمه بل كل اسم من أسمائه موصوف بجميع الأسماء الأحدية الذات الشاملة لجميع الأسماء المشتركة بينهما، و حيث وجد الأصل وجد جميع لوازمه، فحيث كان الوجود كان العلم و العقل، لكن المحل إذا لم يبلغ
التسوية الإنسانية أعنى الاعتدال الموجب لظهور العقل و الإدراك خفى الحياة و الإدراك في الباطن و لم يظهر على المحل، فلا حس له و لا شعور كالمسكور و المغمى عليه فالجماد و النبات ذو حياة و إدراك في الباطن لا في الظاهر، أي في جسده، و كل من له حس فله نفس فله حكم و وهم، يدرك نفسه بقوة جسدانية فتحتجب بالأنانية و يخطئ بالحكم، بخلاف من لا حس له و لا نفس فإنه باق على فطرته لا تصرف له بنفسه، فالجماد عارف بربه كشفا و حقيقة منقاد مطيع طبعا و طوعا، و بعده النبات لما فيه من تصرف ما كالنمو بالغذاء و جذبه و إحالته و توليد المثل، فلذلك التصرف و الحركة ينقص عن الجماد، فإن الجماد يشهد بذاته و فطرته أن لا متصرف إلا الله، و بعده الحيوان الحساس لاحتجابه بأنانيته و ظهوره بإرادته و تأبيه لما يراد منه، ثم الإنسان الناقص فإنه جاهل بربه مشرك مخطئ في رأيه، و خصوصا في معرفة الله تعالى، فلذلك قال تعالى- إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا- فإنه غير فطرته و اتخذ إلهه هواه و شاب عقله بالوهم، فظهر بالنفس و احتجب بالأنانية و تقيد
__________________________________________________
(فلا خلق أعلى من جماد) لقلة أجزائه فكان أقرب من المبدإ لقلة الوسائط، و ما كان أقرب فهو الأفضل من الأبعد (و إيضاح) البرهان قوله تعالى- سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ- إلخ فظهر من هذا أن كلهم أعلى من آدم من هذا الوجه، و قد كان علمك أن آدم أفضل الخلق كيف ظهر خلاف علمك، فاترك علمك و اطلب علما نافعا يحصل عن كشف إلهى لا خلاف فيه، و هو مقام الحيوانات و النباتات و الجمادات اه (و الكل عارف بخلاقه) لعدم احتجابهم عن ربهم بسبب قلة الأجزاء و الإمكانات في تركيب وجودهم (كشفا و إيضاح برهان) إذ الكشف عبارة عن رفع الحجاب، فلا حجاب و لا رفع، و لأن أنفسهم بقلة الأجزاء براهين واضحة على ربهم دون نفس الإنسان فيتعلق الكشف و البرهان إلى عرفانهم اه بالى.
(فمقيد بعقل و فكر) مشوب بالوهم إن كان من أهل النظر (أو قلادة إيمان) إن كان من أهل التقليد الإيماني، فتنقص معرفته عن سائر الحيوانات لزيادة الآثار النفسية، فظهر من هذا أن الكبش إن كان أدنى و أخس من النبات و الجماد، لكنه أعلى و أشرف من الأناسى الحيوانيين، فبهذا العلو و الشرف يستأهل أن يكون فداء لإنسان شريف اه جامى.