قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٩ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
أخرى عباد الطاغوت و عبد الطاغوت و عبدة الطاغوت و عباد الطاغوت و عبد الطاغوت. و أما عبد الطاغوت نصبا فهو بمعنى الفعل من العبادة و من المضمر المختصر أيضا قوله عزّ و جلّ: أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ [سورة هود: ٦٠] ضميره إحدى كلمتين كفروا نعمة ربهم كفروا توحيد ربهم فأضمر للاختصار و انتصاب الاسم لسقوط الخافض و فيها وجه غريب إلّا أنه محمول على المعنى لأنه أي غطوا ربهم التغطية أي غطوا آياته و ما دعا إليه من الحق و المعنى كفرهم أي غطى عليهم بما غطوا ربهم هكذا حقيقة في التوحيد إذ الأولية في كل فعل منه و هم ثوان فيما بعد فهو بمعنى قوله: وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] اللبس التغطية. و منه قوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا من دُونِ الله أَوْلِياءَ [العنكبوت: ٤١]. ما نعبدهم مضمره يقولون ما نعبدهم و مثله فظللتم تفكرون إنّا لمغرمون أي يقولون إنّا لمغرمون و على هذا المعنى وجه قوله: فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء: ٧٨] ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك. المعنى فيه يقولون: ما أصابك على معنى الإخبار عنهم و الذم لهم فهلكت بذلك القدرية لجهلهم بعلم العربية فظنوا أنه ابتداء شرع و بيان من الله عزّ و جلّ و قد أحكم الله عزّ و جلّ ابتداء شرعه و بيانه بأوّل الآية في قوله: قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله [النساء: ٧٨]. و قد كان ابن عباس يقول إذا اشتبه عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في كلام العرب فإن الرجل يتلو الآية فيعيا بوجهها فيكفره و قرأتها في مصحف عبد الله بن مسعود فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا قالوا ما أصابك من حسنة فهذا كما أنبأتك و قد رأيت في مصحف عبد الله و الذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم فهذا من ذلك. و من المضمر قوله تعالى: وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً في الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف: ٦٠] ليس أنه يجعل من البشر ملائكة و لكن معناه لجعلنا بدلا منكم ملائكة و يصلح لجعلنا بدلكم بمعنى منكم. و من المبدل له قوله عزّ و جلّ: وَ هُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون: ٦١] اللام بدل من الباء المعنى و هم بها سابقون لأنهم لو سبقوها لفاتتهم. و على هذا المعنى قال بعضهم إن قوله عزّ و جلّ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف: ١٤٣]. أي بالجبل كان الجبل حجابا لموسى فكشفه عنه فتجلّى به كما قال من الشجرة أن يا موسى إنني أنا الله فكانت الشجرة وجهة لموسى كلمه الله عزّ و جلّ منها و مثله: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] معناه على جذوع. و كذلك: فَلا تَجْعَلْنِي في الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٤] معناه أي مع القوم و بمعناه: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور: ٣٨] أي عليه و يصلح به و كذلك